عزيزتي الزائرة ، مرحبــا بك .. أنت غير مسجلة في منتديـــات بنات الإسلام الدعوية ... للاشتـــراك و الإستفادة من مزايـــا العضويــة، الرجــاء إضـغـطي هـنـــا ![]() مواقع كبار العلماء | ||||
الإهداءات | |
| العـقـيـدة الإسـلامـيـــة قسم يتطرق لشرح العقيدة الإسلامية شرحاً مفصلاً وفق المنهج السليم |
| الأذكار |
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | اسلوب عرض الموضوع |
| | رقم المشاركة : 1 (permalink) | |||||||||||||||||
| أخت مميزة شرفت المنتدى ______________
| د صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين؛ خلقنا لعبادته، وأمرنا بتوحيده وطاعته، وهو غني عنا ونحن المحتاجون، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}1، وأسل رسله داعية إلى التوحيد وإخلاص الدين، {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ}2. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولو كره المشركون، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إلى الناس أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين هاجروا وجاهدوا وصبروا والذين آووا ونصروا وسلم تسليما كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد: فلما كان توضيح العقيدة الصحيحة والدعوة إليها هو أهم الأمور وآكد الواجبات؛ لأنها الأساس الذي تنبني عليه صحة الأعمال وقبولها؛ كان اهتمام الرسل صلوات الله وسلامه عليهم واهتمام أتباعهم بإصلاح العقيدة أولاً عما يناقضها أو ينقصها، وكان نصيب هذا الجانب من سور القرآن وآياته النصيب -------------------------------- 1 سورة الذاريات، الآيات: 56 - 58. 2 سورة الأنبياء، الآية: 25. ص -6- الأوفر، وكان نصيبه من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم واهتمامه النصيب الأكبر؛ فقد مكث صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى التوحيد وإصلاح العقيدة، ولما فتح الله عليه مكة؛ كان أول ما بدأ به هدم الأصنام والقضاء عليها، والأمر بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له. وقد أولى علماء هذه الأمة هذا الجانب قدرًا كبيرًا من جهودهم وجهادهم وتعليمهم وتأليفهم؛ حتى شغلت كتب العقيدة حيزًا كبيرًا من المكتبة الإسلامية، وصار لها الصدراة بين محتوياتها. وقد أحببت أن أسهم بجهدي القليل في هذا العمل الجليل؛ فكتبت هذه الكلمات التي أقدمها للقارىء، وهي لم تأت بشيء جديد، وإنما هي تقريب لبعض المعلومات، وقد يكون فيها ربط لواقع الناس اليوم وممارساتهم بتلك المعلومات؛ حتى يتضح حكمها، ويتبين خطأ أصحاب تلك الممارسات لعلهم يرجعون، ونصيحة لغيرهم يحذرون. وقد اقتبست هذه الكلمات من كتب أئمة الدين وعلماء المسلمين؛ ككتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وتلميذه الحافظ ابن كثير، ومن كتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وتلاميذه أئمة الدعوة الإصلاحية (خصوصا كتاب (فتح المجيد). ولا أدعي أنني أتيت بجديد، وإنما أرجو أن أكون قربت بعض المعلومات، وربطتها بواقع الناس كلما سنحت فرصة عرضت مناسبة. وأصل هذا الكتاب كان حلقات أذيعت من إذاعة القرآن الكريم في المملكة العربية السعودية، وما كان في نيتي أن تخرج في كتاب لولا تقدير الله - سبحانه -، ثم إن بعض الإخوة الكرام اقترح علي جمعها وتنسيقها وإخراجها في كتاب؛ ليبقى نفعها إن شاء الله، وأرجو أن يكون في ذلك الخير، وأن تكون ص -7- إسهاما - ولو ضئيلاً - في مجال الدعوة إلى الله - سبحانه، في وقت جهلت فيه طريقة الدعوة الصحيحة، وصار كثير من الدعاة يهتمون بجوانب ضئيلة لا تسمن ولا تغني من جوع بدون العقيدة، ويتركون جانب العقيدة، وهم يرون الناس متورطين في الشرك الأكبر حول الأضرحة والمزارات، ومتورطين في البدع والخرافات، ويرون دعاة الضلال قد استحوذوا على كثير من الجهلة والعوام، وساقوهم إلى مواقع الهلاك والضلال، واتخذوهم عبيدًا لهم يتصرفون بعقولهم وأموالهم، ويترأسون عليهم بالباطل وباسم العلم والولاية. إن كثيرًا من الدعاة اليوم مع الأسف لا يهتمون بجانب العقيدة وإصلاحها، بل ربما يقول بعضهم: اتركوا الناس على عقائدهم ولا تتعرضوا لها، اجمعوا ولا تفرقوا... لنجتمع على ما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه... أو نحوًا من هذه العبارات التي تخالف قول الله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}1. إنه لا اجتماع ولا قوة؛ إلا بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله، وترك ما خالفهما، ولا سيما في مسائل العقيدة التي هي الأساس، قال تعالى-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}2، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. للمزيد من مواضيعي
الموضوع الأصلي : الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد -||- المصدر : منتديات بنات الإسلام الدعوية -||- الكاتب : الحاجه
| |||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||
| | رقم المشاركة : 2 (permalink) | |||||||||||||||||
| أخت مميزة شرفت المنتدى ______________
| سورة النساء، الآية: 59. 2 سورة آل عمران، الآية: 103. ص -9- العقيدة الإسلامية العقيدة الإسلامية هي التي بعث الله بها رسله، وأنزل بها كتبه، وأوجبها على جميع خلقه الجن والإنس: كما قال تعالى-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ}1. وقال تعالى-: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إلاّ إِيَّاهُ}2. وقال تعالى-: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا الله وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}3. فكل الرسل جاؤوا بالدعوة إلى هذه العقيدة، وكل الكتب الإلهية نزلت لبيانها وبيان مايبطلها ويناقضها أو ينقصها، وكل المكلفين من الخلق أمروا بها، وإن ما كان هذا شأنه وأهميته لجدير بالعناية والبحث والتعرف عليه قبل كل شيء، خصوصا وأن هذه العقيدة تتوقف عليها سعادة البشرية في الدنيا والآخرة: قال تعالى-: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِالله فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا}4. ومعنى ذلك: أن من أفلت يده من هذه العقيدة؛ فإنه يكون متمسكا بالأوهام -------------------------------- 1 سورة الذاريات، الآيتان: 56 - 57. 2 سورة الإسراء، الآية: 23. 3 سورة النحل، الآية: 36. 4 سورة البقرة، الآية: 256. ص -10- والباطل؛ فماذا بعد الحق إلا الضلال؟! {ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ}1، وبالتالي؛ يكون مصيره إلى النار وبئس القرار. والعقيدة معناها: ما يصدقه العبد ويدين به. فإن كانت هذه العقيدة موافقة لما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه؛ فهي عقيدة صحيحة سليمة، وتحصل بها النجاة من عذاب الله والسعادة في الدنيا والآخرة، وإن كانت هذه العقيدة مخالفة لما أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه؛ فهي عقيدة توجب لأصحابها العذاب والشقاء في الدنيا والآخرة. والعقيدة السليمة الصحيحة تعصم الدم والمال في الدنيا، وتحرم الاعتداء عليهما وانتهاكهما بغير حق؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها"، وقال صلى الله عليه وسلم: "من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه، وحسابه على الله عز وجل" رواه مسلم. وهي - أيضا - تنجي من عذاب يوم القيامة؛ فقد روى مسلم عن جابر - رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئا؛ دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا؛ دخل النار"، وفي (الصحيحين) من حديث عتبان بن مالك - رضي الله عنه -: "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله؛ يبتغي بذلك وجه الله". والعقيدة الصحيحة السليمة يكفر الله بها الخطايا؛ فقد روى الترمذي وحسنه عن أنس - رضي الله عنه -: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا؛ لأتيتك -------------------------------- 1 سورة الحج، الآية: 62. ص -11- بقرابها مغفرة".و (قراب الأرض): ملؤها أو ما يقارب ملأها.فشرط في حصول هذه المغفرة سلامة العقيدة من الشرك؛ كثيره وقليله، صغيره وكبيره، ومن كان كذلك؛ فهو صاحب القلب السليم، قال الله فيه: {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إلاّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}1. قال العلامة ابن القيم - رحمه الله - في معنى حديث عتبان: "ويعفى لأهل التوحيد المحض الذي لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك، فلو لقي الموحد الذي لم يشرك بالله شيئا ألبتة ربه بقراب الأرض خطايا؛ أتاه بقرابها مغفرة، ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده؛ فإن التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب؛ لأنه يتضمن من محبة الله وإجلاله وتعظيمه وخوفه ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب، لو كانت قراب الأرض؛ فالنجاسة عارضة والدوافع لها قوي..." انتهى. والعقيدة السليمة تقبل معها الأعمال وتنفع صاحبها؛ قال تعالى-: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}2. وعلى العكس من ذلك؛ فالعقيدة الفاسدة تحبط جميع الأعمال؛ قال تعالى-: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}3، وقال تعالى-: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}4. والعقيدة الفاسدة بالشرك تحرم من الجنة والمغفرة، وتوجب العذاب والخلود في النار؛ قال الله تعالى: {إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}5، وقال تعالى-: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}6. -------------------------------- 1 سورة الشعراء، الآيتان: 88 - 89. 2 سورة النحل، الآية: 97. 3 سورة الزمر، الآية: 65. 4 سورة الأنعام، الآية: 88. 5 سورة النساء، الآية: 48. 6 سورة المائدة، الآية: 72. ص -12- والعقيدة الفاسدة تهدر الدم، وتبيح المال الذي يملكه صاحب تلك العقيدة؛ قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}1، وقال تعالى-: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}2. وبالتالي؛ فالعقيدة السليمة لها آثار طيبة في القلوب والسلوك الاجتماعي والنظام العمراني؛ فهناك فريقان كل منهما بنى مسجدًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم: فريق بنى مسجده بنية صالحة وعقيدة خالصة لله عز وجل، وفريق بنى مسجده لهدف سيىء وعقيدة فاسدة؛ فأمر الله نبيه أن يصلي في المسجد أسس على التقوى، نهاه أن يصلي في المسجد الذي أسس على الكفر والمقاصد السيئة؛ قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاّ الْحُسْنَى وَالله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَالله يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ الله وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَالله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}3. -------------------------------- 1 سورة الأنفال، الآية: 39. 2 سورة التوبة، الآية: 5. 3 سورة التوبة، الآيتان: 107 - 109. ص -13- وجوب معرفة العقيدة الإسلامية اعلموا وفقني الله وإياكم أنه يجب على كل مسلم أن يتعلم العقيدة الإسلامية؛ ليعرف معناها وما تقوم عليه، ثم يعرف ما يضادها ويبطلها أو ينقصها من الشرك الأكبر والأصغر: قال الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إلاّ الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ}1. قال الإمام البخاري - رحمه الله -: (باب العلم قبل القول والعمل)، واستشهد بهذه الآية الكريمة. قال الحافظ ابن حجر: "قال ابن المنير: أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل؛ فلا يعتبران إلا به؛ فهو متقدم عليهما؛ لأنه مصحح للنية المصححة للعمل..." انتهى. ومن هنا اتجهت همم أهل العلم إلى تعلم أحكام العقيدة وتعليمها، واعتبروا ذلك من أوليات العلوم، وألفوا فيها مؤلفات خاصة فصلوا فيها أحكامها وما يجب فيها، وبينوا ما يفسدها أو ينقضها من الشركيات والخرافات والبدع. وهذا هو معنى لا إله إلا الله؛ فليست مجرد كلمة تقال باللسان، بل لها -------------------------------- 1 سورة محمد، الآية: 19. ص -14- مدلول ومعنى ومقتضى، تجب معرفتها كلها، والعمل بها ظاهرًا وباطنا، ولها منقضات ومنقصات، ولا يتضح ذلك إلا بالتعلم، ولهذا؛ يجب أن يكون لعلم العقيدة الصدارة بين المقررات الدراسية في مختلف المراحل، وأن تعطى من الحصص اليومية العدد الكافي، ويختار لها المدرسون الأكفاء، وأن يركز عليها في النجاح والرسوب؛ خلاف ما عليه غالب واقع الدراسات المنهجية اليوم؛ فإن علم العقيدة في الغالب لا يحظى بالاهتمام في تلك الدراسات، ومما يخشى من ورائه أن ينشأ جيل يجهل العقيدة الصحيحة، فيستسيغ الشركيات والبدع والخرافات، ويعتبرها من العقيدة؛ لأنه وجد الناس عليها، ولم يعرف بطلانها. ومن هنا قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "يوشك أن تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية". هذا؛ ويجب اختيار الكتب الصحيحة السليمة، التي ألفت على مذهب السلف الصالح وأهل السنة والجماعة، والمطابقة للكتاب والسنة؛ فتقرر على الطلاب، وتستبعد الكتب المخالفة لمنهج السلف؛ ككتب الأشاعرة والمعتزلة والجهمية وسائر الفرق الضالة عن منهج السلف. وإلى جانب الدراسة النظامية يجب أن يكون هناك دروس تعقد في المساجد، تدرس فيها العقيدة السلفية بالدرجة الأولى، وتقرأ فيها المتون والشروح؛ ليستفيد منها الطلاب وكل من حضر، ويكون هناك مختصرات مبسطة تلقى للعامة، وبذلك تنتشر العقيدة الإسلامية، إلى جانب ما يذاع في البرامج الدينية بواسطة الإذاعة، ويكون هناك برنامج مستمر تذاع من خلاله أحكام العقيدة الإسلامية. ثم يجب أن يكون هناك اهتمام خاص بالعقيدة من جانب الأفراد؛ فيكون للمسلم مطالعات في كتب العقيدة، والتعرف على ما ألف فيها على منهج ص -15- السلف، وما ألف على منهج المخالفين لهم، حتى يكون المسلم على بصيرة من أمره، وحتى يستطيع رد الشبه الموجهة إلى عقيدة أهل السنة. أيها المسلم: إنك حينما تتأمل القرآن الكريم؛ تجد فيه كثيرًا من الآيات والسور تهتم بأمر العقيدة، بل إن السور المكية تكاد تكون مختصة ببيان العقيدة الإسلامية ورد الشبهات الموجهة إليها. خذ مثلاً سورة الفاتحة: قال الإمام العلامة ابن القيم - رحمه الله -: "اعلم أن هذه السورة اشتملت على أمهات المطالب العالية أتم اشتمال، وتضمنتها أكمل تضمن؛ فاشتملت على التعريف بالمعبود تبارك وتعالى بثلاثة أسماء، مرجع الأسماء الحسنى والصفات العليا إليها، ومدارها عليها، وهي: (الله)، و(الرب)، و(الرحمن)، وبنيت السورة على الإليهة والربوبية والرحمة: ف {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} مبني على الإلهية، و{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} على الربوبية، وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم يتعلق بصفة الرحمة، والحمد يتضمن الأمور الثلاثة؛ فهو المحمود في إلهيته وربوبيته ورحمته، والثناء والحمد كمالان لجده، وتضمنت إثبات المعاد، وجزاء العباد بأعمالهم حسنها وسيئها، وتفرد الرب تعالى بالحكم، إذ ذاك بين الخلائق، وكون حكمه بالعدل، كل هذا تحت قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، وتضمنت إثبات النبوات من جهات عديدة..." ثم بينها رحمة الله بكلام مطول مفيد. إلى أن قال: "فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم؛ ف {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} توحيد، {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} توحيد، {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} توحيد ص -16- متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد، {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} الذين فارقوا التوحيد). وقال: "وغالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد؛ فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته، وهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وتوحيده وحده لا شرك له، وخلع ما يعبد من دونه؛ فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته؛ فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة، وهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما فعل بهم في العقبى من العذاب؛ فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد...." انتهى. ومع اهتمام القرآن بشأن العقيدة الإسلامية؛ فإن أكثر الذين يقرؤونه لا يفهمون العقيدة فهما صحيحا، فصاروا يخلطون ويغلطون فيها؛ لأنهم يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم، ولا يقرؤون القران بتدبر؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله. ص -17- الدعوة إلى العقيدة الإسلامية يجب على المسلم بعدما يمن الله عليه بمعرفة هذه العقيدة والتمسك بها أن يدعو الناس إليها لإخراجهم بها من الظلمات إلى النور؛ كما قال تعالى-: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِالله فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}1. والدعوة إلى العقيدة الإسلامية هي فاتحة دعوة الرسل جميعا؛ فلم يكونوا يبدؤون بشيء قبلها؛ كما قال الله تعالى عنهم: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا الله وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}2. وكل رسول يقول لقومه أول ما يدعوهم: {اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}3كما قالها نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وسائر عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين. فيجب على من عرف هذه العقيدة وعمل بها أن لا يقتصر على نفسه، بل يدعو الناس إليها بالحكمة والموعظة الحسنة، كما هو سبيل المرسلين وأتباعهم. -------------------------------- 1 سورة البقرة، الآيتان: 256 - 257. 2 سورة النحل، الآية: 36. 3 سورة هود، الآية: 50. ص -18- وإن الدعوة إلى هذه العقيدة هو الأساس والمنطلق؛ فلا يدعى إلى شيء قبلها من فعل الواجبات وترك المحرمات حتى تقوم هذه العقيدة وتتحقق؛ لأنها هي الأساس المصحح لجميع الأعمال، وبدونها لا تصح الأعمال ولا تقبل ولا يثاب عليها. ومن المعلوم بداهة أن أي بناء لا يقوم ولا يستقيم إلا بعد إقامة أساسه، ولهذا كان الرسل يهتمون بها قبل كل شيء، وكان النبي (عندما يبعث الدعاة يوصيهم بالبداءة بالعدوة إلى تصحيح العقيدة؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهما، أن رسول الله (لما بعث معاذًا إلى اليمن؛ قال له: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله "وفي رواية: إلى أن يوحداو الله، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فإياك وكرائم أموالهم، وتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" رواه البجاري ومسلم. فمن هذا الحديث الشريف، ومن استقراء دعوة الرسل في القرآن، ومن استقراء سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، يؤخذ الدعوة إلى الله، وأن أول ما يدعى الناس إليه هو العقيدة، المتمثلة بعبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه؛ كما هو معنى لا إله إلا الله. وقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة بعد البعثة، يدعو الناس إلى تصحيح العقيدة؛ بعبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام، قبل أن يأمر بالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وترك المحرمات من الربا والزنا والخمر والميسر. وهذا ما يدلنا دلالة واضحة على خطأ بعض الجماعات المعاصرة التي ص -19- تنتمي للدعوة، وهي لا تهتم بالعقيدة، وإنما تركز على أمور جانبية أخلاقية وسلوكية، وهي ترى كثيرًا من الناس يمارسون الشرك الأكبر حول الأضرحة المبنية على القبور في بعض ديار الإسلام، ولا تنكر ذلك، ولا تنهى عنه؛ لا في كلمة، ولا في محاضرة، ولا في مؤلف؛ إلا قليلاً، بل قد يكون بين صفوف تلك الجماعات من يمارس الشرك والتصوف المنحرف ولا ينهونه ولا ينبهونه، مع أن البداءة بدعوة هؤلاء وإصلاح عقيدتهم أولى من دعوة الملاحدة والكفار المصرحين بكفرهم؛ لأن الملاحدة والكفار مصرحون بكفرهم، ومقرون أن ما هم عليه مخالف لما جاءت به الرسل، أما أولئك القبوريون والمتصوفة المنحرفون، فيظنون أنهم مسلمون، وأن ما هم عليه هو الإسلام، فيغترون ويغرون غيرهم. والله جل وعلا أمرنا بالبداءة بالكفار الأقربين، وقال تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ الله مَعَ الْمُتَّقِينَ}1، فما لم تصف صفوف المسمين من الدخيل؛ فإنهم لن يستطيعوا الصمود في وجه عدوهم. ويحكى أن قبوريا رأى رجلاً يعبد صنما أمامه، فأنكر عليه القبوري، فقال له عابد الصنم: أنت تعبد مخلوقا غائبا عنك، وأنا أعبد مخلوقا ماثلاً أمامي؛ فأينا أعجب؟ فانخصم القبوري. هذا؛ وإن كان كل منهما مشركا ضالا لأنه يعبد ما لا يملك صرًا ولا نفعا؛ إلا أن القبوري أغرق في الضلال وأبلغ في طلب المحال. فيجب على الدعاة إلى الله أن يركزوا على جانب العقيدة أكثر من غيرها، ويقبلوا على دراستها وتفهمها أولاً، ثم يعلموها لغيرهم، ويدعوا إليها من انحرف عنها أو أخل بها؛ قال الله تعالى لنبيه: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله عَلَى -------------------------------- 1 سورة التوية، الآية: 123. ص -20- بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ الله وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}1. قال الإمام ابن جرير - رحمه الله - في تفسير هذه الآية الكريمة: (يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} يا محمد. {هَذِهِ} الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان، والانتهاء إلى طاعته، وترك معصيته. {سَبِيلِي} وطريقتي ودعوتي {أَدْعُو إِلَى الله} تعالى وحده لا شريك له. {عَلَى بَصِيرَةٍ} بذلك ويقين علم مني. {أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}؛ أي: ويدعو إليه على بصيرة - أيضا - من اتبعني وصدقني وآمن بي. {وَسُبْحَانَ الله}؛ يقول له تعالى ذكره: وقل تنزيها لله تعالى وتعظيما له من أن يكون له شريك في ملكه أو معبود سواه في سلطانه. {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}؛ يقول: "وأنا بري من أهل الشرك به، لست منهم، ولا مني" انتهى كلام ابن جرير. فالآية الكريمة تدل على أهمية معرفة العقيدة الإسلامية والدعوة إليها، وأن أتباع الرسول (هم من اقتدى به في ذلك، واتصف بالصفتين؛ العلم بالعقيدة والدعوة إليها، وأن من لم يتعلم أحكام العقيدة ويهتم بها ويدع إليها؛ فليس من أتباع الرسول على الحقيقة، وإن كان من أتباعه على سبيل الانتساب والدعوى. وقال الإمام ابن القيم - رحمه الله - في معنى قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}2 "ذكر سبحانه مراتب الدعوة، وجعلها ثلاثة أقسام بحسب حال المدعو: فإنه إما أن يكون طالبا للحق، مؤثرًا له على غيره إذا عرفه؛ فهذا يدعى بالحكمة، ولا يحتاج إلى موعظة وجدال. وإما أن يكون مشتغلاً بضد الحق، لكن لو عرفه؛ آثره واتبعه؛ فهذا يحتاج إلى الموعظة بالترغيب والترهيب. -------------------------------- 1 سورة يوسف، الآية: 108. 2 سورة النحل، الآية: 125. ص -21- وإما أن يكون معاندًا معارضا؛ فهذا يجادل بالتي هي أحسن، فإن رجع، وإلا؛ انتقل معه إلى غير الجدال إن أمكن..." انتهى كلام ابن القيم. وبهذا تبين منهج الدعوة وما ينبغي فيها، وتبين خطأ ما تنتهجه بعض الجماعات إلى المنتهمية إلى الدعوة، وهي تخالف المنهاج السليم الذي بينه الله ورسوله.
| |||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||
| | رقم المشاركة : 3 (permalink) | |||||||||||||||||
| أخت مميزة شرفت المنتدى ______________
| تمهيد اعلم أيها المسلم وفقني الله وإياك أن أصول العقيدة الإسلامية التي هي عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة هي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره. وهذه الأصول دلت عليها نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، وأجمعت عليها الأمة: قال تعالى -: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ}1 وقال تعالى-: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}2. وقال تعالى-: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ}3. وقال تعالى-: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالله وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً}4. وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره". -------------------------------- 1سورة البقرة، الآية: 177. 2 سورة القمر، الآية: 49. 3 سورة البقرة، الآية: 285. 4 سورة النساء، الآية: 136. ص -26- وهذه الأصول العظيمة (وتسمى أركان الإيمان) قد اتفقت عليها الرسل والشرائع، ونزلت بها الكتب السماوية، ولم يجحدها أو شيئا منها إلا من خرج عن دائرة الإيمان وصار من الكافرين؛ كما قال تعالى -: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ الله غَفُوراً رَحِيماً}1. وهذه الأصول العظيمة والأركان القويمة تحتاج إلى شرح وبيان، وهو ما سنحاول إن شاء الله تقديم ما نستطيع منه في هذا الكتاب. -------------------------------- 1 سورة النساء، الآيتان: 150 - 152.
| |||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||
| | رقم المشاركة : 4 (permalink) | |||||||||||||||||
| أخت مميزة شرفت المنتدى ______________
| ص -27- الأصل الأول: الإيمان بالله عز وجل وهو أساس العقيدة وأصلها، وهو يعني الاعتقاد الجازم بأن الله رب كل شيء ومليكه، وأنه الخالق وحده، المدبر للكون كله، وأنه هو الذي يستحق العبادة وحده، لا شريك له، وأن كل معبود سواه فهو باطل وعبادته باطلة، قال تعالى -: {ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ الله هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}1، وأنه سبحانه متصف بصفات الكمال ونعوت الجلال، منزه عن كل نقص وعيب، وهذا هو التوحيد بأنواعه الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. أولا: توحيد الربوبية. فأما توحيد الربوبية؛ فإنه الإقرار بأن الله وحده الخالق للعالم، وهو المدبر، المحيي، المميت، وهو الرزاق، ذو القوة، المتين. والإقرار بهذا النوع مركوز في الفطر، لا يكاد ينازع فيه أحد من الأمم؛ كما قال تعالى -: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله}2، وقال تعالى -: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالآرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ}3، وقال تعالى -: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ -------------------------------- 1 سورة الحج، الآية: 62. 2 سورة الزخرف، الآية: 87. 3 سورة الزخرف، الآية: 9. ص -28- الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ}1... وهذا في القرآن كثير، يذكر الله عن المشركين أنهم يعترفون لله بالربوبية والانفراد بالحلق والرزق والإحياء والإمانة. ولم ينكر توحيد الربوبية ويجحد الرب إلا شواذ من المجموعة البشرية، تظاهروا بإنكار الرب، مع اعترافهم به في باطن أنفسهم وقرارة قلوبهم، وإنكارهم له إنما هو من باب المكابرة؛ كما ذكر الله عن فرعون أنه قال: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}2،وقد خاطبه موسى عليه السلام بقوله: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إلاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالآرْضِ بَصَائِرَ}3، وقال تعالى -: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً}4. وهم لم يستندوا في جحودهم إلى حجة، وإنما ذلك مكابرة منهم؛ كما قال تعالى-: {وَقَالُوا مَا هِيَ إلاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إلاّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إلاّ يَظُنُّونَ}5، فهم لم ينكروا عن علم دلهم على إنكاره ولا سمع ولا عقل ولا فطرة. ولما كان هذا الكون وما يجري فيه من الحوادث شاهدًا على وحدانية الله وربوبيته؛ إذ المخلوق لا بد له من خالق، والحوادث لا بد من محدث؛ كما قال تعالى-: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالآرْضَ}6. وقال الشاعر: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد لما كان لا بد من جواب على هذه الحقيقة؛ اضطرب هؤلاء المنكرون لوجود الخالق في أجوبتهم: -------------------------------- 1 سورة المؤمنون، الآية: 86. 2 سورة القصص، الآية: 38. 3 سورة الإسراء، الآية: 102. 4 سورة النمل، الآية: 14. 5 سورة الجاثية، الآية: 24. 6 سورة الطور، الآيتان: 35 - 36
| |||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||
| | رقم المشاركة : 5 (permalink) | |||||||||||||||||
| أخت مميزة شرفت المنتدى ______________
| -------------------------------- 1 سورة المؤمنون، الآية: 86. 2 سورة القصص، الآية: 38. 3 سورة الإسراء، الآية: 102. 4 سورة النمل، الآية: 14. 5 سورة الجاثية، الآية: 24. 6 سورة الطور، الآيتان: 35 - 36. ص -29- فتارة يقولون: هذا العلم وجد نتيجة للطبيعة التي هي عبارة عن ذات الأشياء من النبات والحيوان والجمادات؛ فهذه الكائنات عندهم هي الطبيعة، وهي التي أوجدت نفسها. أو يقولون: هي عبارة عن صفات الأشياء وخصائصها من حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة وخشونة، وهذه القابليات من حركة وسكون ونمو وتزاوج وتوالد، هذه الصفات وهذه القابليات هي الطبيعة بزعمهم، وهي التي أوجدت الأشياء. وهذا قول باطل على كلا الاعتبارين؛ لأن الطبيعة بالاعتبار الأول - على حد قولهم - تكون خالقة ومخلوقة؛ فالأرض خلقت الأرض، والسماء خلقت السماء... وهكذا، وهذا مستحيل، وإذا كان صدور الخلق عن الطبيعة بهذا الاعتبار مستحيلاً؛ فاستحالته بالاعتبار الثاني أشد استحالة؛ لأنه إذا عجزت ذات الشيء عن خلقه؛ فعجز صفته من باب أولى؛ لأن وجود الصفة مرتبط بالموصوف الذي تقوم به؛ فكيف تخلقه وهي مفتقرة إليه؟! وإذا ثبت بالبرهان حدوث الموصوف؛ لزم حدوث الصفة، و أيضا، فالطبيعة لا شعور لها؛ فهي آلة محضة؛ فكيف تصدر عنها الأفعال العظيمة التي هي في غاية الإبداع والإتقان، وفي نهاية الحكمة، وفي غاية الارتباط؟! ومن هؤلاء الملاحدة من يقول: إن هذه الكائنات تنشأ عن طريق المصادفة؛ بمعنى أن تحميع أن الذرات والجزئيات عن طريق الماصادفة يؤدي إلى ظهور الحياة بلا تدبير من خالق مدبر ولا حكمة. وهذا قول باطل، ترده العقول والفطر؛ فإنك إذا نظرت إلى هذا الكون المنظم بأفلاكه وأرضه وسمائه وسير المخلوقات فيه بهذه الدقة والتنظيم العجيب؛ تبين لك أنه لا يمكن أن يصدر إلا عن خالق حكيم. ص -30- قال ابن القيم: "فسل المعطل الجاحد: ماذا تقول في دولاب دائر على نهر، وقد أحكمت آلاته، وأحكم تركيبه، وقدرت أدواته أحسن تقدير وأبلغه؛ بحيث لا يرى الناظر فيه خللاً في مادته ولا في صورته وقد جعل على حديقة عظيمة، فيها من كل أنواع الثمار والزروع، يسقيها حاجتها، وفي تلك الحديقة من يلم شعثها ويحسن مراعاتها وتعهدها والقيام بجميع مصالحها؛ فلا يختل منها شيء، يقسم قيمتها عند الجذاذ على أحسن المخاج بحسب حاجتهم وضروراتهم، فيقسم لكل صنف منهم ما يليق به، ويقسمه هكذا على الدوام؛ أترى هذا اتفاقا بلا صانع ولا مختار ولا مدبر، بل اتفق وجود ذلك الدولاب والحديقة وكل ذلك اتفاقا من غير فاعل ولا قيم ولا مدبر؟! أفترى ما يقول لك عقلك في ذلك لو كان؟! وما الذي يفتيك به؟! وما الذي يرشدك إليه؟! ولكن من حكمة العزيز الحكيم أن خلق قلوبا عميا لا بصائر لها؛ فلا ترى هذه الآيات الباهرة إلا رؤية الحيوانات البهيمية، كما خلق أعينا لا إبصار لها" انتهى كلامه رحمه الله. ثانيا: توحيد الألوهية. توحيد الألوهية: هو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة؛ ف (الألوهية) معناها العبادة، و(الإله) معناه المعبود، ولهذا يسمى هذا النوع من التوحيد ب (توحيد العبادة). و(العبادة) في اللغة: الذل؛ يقال: طريق معبد: إذا كان مذللاً قد وطئته الأقدام. وأما معنى العبادة شرعا: فقد اختلفت عبارات العلماء في ذلك مع اتفاقهم على المعنى: فعرفها طائفة منهم بأنها ما أمر به شرعا من غير اطراد عرفي ص -31- ولا اقتضاء عقلي. وعرفها بعضهم بأنها كمال الحب مع كمال1الخضوع. وعرفها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله – "بأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة". وهذا التعريف أدق وأشمل؛ فالدين كله داخل في العبادة، ومن عرفها بالحب مع الخضوع؛ فلأن الحب التام مع الذل التام يتضمان طاعة المحبوب والانقياد له؛ فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه؛ فبحسب محبة العبد لربه وذله له تكون طاعته؛ فمحبة العبد لربه وذله له يتضمنان عبادته له وحده لا شريك له. فالعبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، وهي تتضمن ثلاثة أركان؛ هي: المحبة، والرجاء، والخوف، ولا بد من اجتماعها، فمن تعلق بواحد منها فقط؛ لم يكن عابدًا لله تمام العبادة؛ فعبادة الله بالحب فقط هي طريقة الصوفية، وعبادته بالرجاء وحده طريقة المرجئة، وعبادته بالخوف فقط طريقة الخوارج، والمحبة المنفردة عن الخضوع لا تكون عبادة، فمن أحب شيئا ولم يخضع له؛ لم يكن عابدًا؛ كما يحب الإنسان ولده وصديقه، كما أن الخضوع المنفرد عن المحبة لا يكون عبادة؛ كمن يخضع لسلطان أو ظالم اتقاء لشره، ولهذا لا يكفي أحدهما عن الآخر في عبادة الله - تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد كل شيء، وأن يكون الله عنده أعظم من كل شيء. والعبادة هي الغاية المحبوبة لله والمرضية له، وهي التي خلق الخلق من أجلها؛ كما قال تعالى-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُونِ}2، وبها أرسل جميع الرسل؛ كما قال تعالى-: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً -------------------------------- 1 قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان وعليهما فلك العبادة دائر ما دار حتى قامت القطبان 2 سورة الذاريات، الآية: 56. ص -32- أَنِ اعْبُدُوا الله وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}1. والعبادة لها أنواع كثيرة: فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الحيوان والأيتام والمساكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة... كل ذلك من العبادة، وكذلك حب الله، وحب رسوله، وخشية الله، الإنابة إليه... كل ذلك من العبادة، وكذلك الذبح، والنذر، والاستعانة، والاستغاثة... فيجب صرف العبادة بجميع أنواعها لله وحده لا شريك له، فمن صرف منها شيئا لغير الله؛ كمن دعا غير الله، أو ذبح أو نذر لغير الله، أو استعان أو استغاث بميت أو غائب أو بحي حاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ فقد أشرك الشرك الأكبر، وأذنب الذنب الذي لا يغفر إلا بالتوبة، سواء صرف هذا النوع من العبادة لصنم أو لشجر أو لحجر أو لنبي من الأنبياء أو لولي من الأولياء حي أو ميت؛ كما يفعل اليوم عند الأضرحة المبنية على القبور؛ فإن الله لا يرضى أن يشرك معه في عبادته أحد؛ لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا ولي ولا غيرهم؛ قال تعالى-: {إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}2، وقال تعالى-: {فَلا تَدْعُو مَعَ الله أَحَداً}3، وقال تعالى-: {وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً}4. ومع الأسف الشديد؛ فقد اتخذت القبور اليوم في بعض البلاد أوثانا تعبد من دون الله ممًّن يدَّعون الإسلام، وقد يدعو أحدهم غير الله في أي مكان، ولو لم يكن عند قبر؛ كمن يقول: يا رسول الله! عند قيامه أو مفاجأته بشيء غريب، أو يقول: المدد يا رسول الله (أو: يا فلان)! وإذا نهوا عن ذلك؛ قالوا: نحن نعلم أن هؤلاء ليس من الأمر شيء، ولكن هؤلاء أناس صالحون، لهم -------------------------------- 1 سورة النحل، الآية: 36. 2 سورة النساء، الآية: 116. 3 سورة الجن، الآية: 18. 4 سورة النساء، الآية: 36. ص -33- جاه عند الله، ونحن نطلب بجاههم وشفاعتهم، ونسي هؤلاء أو تناسوا وهم يقرؤون القرآن أن هذا بعينه قول المشركين كما ذكر الله في القرآن في قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ الله قُلْ أَتُنَبِّئُونَ الله بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الآرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}1، وقوله تعالى: {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إلاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ الله لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}2 فسماهم كفارًا كذبة، وهم يعتقدون أن هؤلاء الأولياء مجرد وسائط بينهم وبين الله في قضاء حوائجهم، وهذا ما يقوله عباد القبور اليوم، {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ}3. فالواجب على علماء الإسلام أن ينكروا هذا الشرك الشنيع ويبينوه للناس، والواجب على حكام المسلمين هدم هذه الأوثان وتطهير المساجد منها. وقد أنكر كثير من الأئمة المصلحين هذا الشرك، ونهوا عنه وحذروا، وأنذروا، ومن هؤلاء: شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والشيخ محمد عبد الوهاب، والشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني، والشيخ محمد ابن علي الشوكاني... وكثير من الأئمة قديما وحديثا، وهذه مؤلفاتهم بين أيدينا. وفي ذلك يقول الإمام الشوكاني في (نيل الأوطار): "وكم سرى من تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة كاعتقاد الكفار للأصنام وأعظم من ذلك، فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر، فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء الحوائج، وملجأ المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا الرحال، وتمسحوا بها، واستغاثوا، -------------------------------- 1 سورة يونس، الآية: 18. 2 سورة الزمر، الآية 3. 3 سورة البقرة، الآية: 118. ص -34- وبالجملة؛ إنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون". ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف؛ لا عالما، ولا متعلما، ولا أميرًا، ولا وزيرًا، ولا ملكا. ولقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرًا من هؤلاء القبورين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمة خصمه؛ حلف بالله فاجرًا، وإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني؛ تلعثم، وتلكأ، وأبى، واعترف بالحق! وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال إنه ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة!. فيا علماء الدين! ويا ملوك المسلمين! أي رزء للإسلام أشد من الكفر؟! وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله؟! وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟! وأي منكر يحب إنكاره لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجبا؟! لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي ولو نارًا نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد انتهى كلام الشوكاني - رحمه الله، وقد زاد البلاء بعده، وصار أشد مما وصف، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. علاقة توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية، والعكس: وعلاقة أحد النوعين بالآخر: أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الإليهة، بمعنى أن الإقرار بتوحيد الربوبية يوجب الإقرار بتوحيد الإلهية والقيام به، فمن عرف أن الله ربه وخالقه ومدبر أموره؛ وجب عليه أن يعبده وحده لا شريك له، ص -35- وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية؛ بمعنى أن توحيد الربوبية يدخل ضمن توحيد الألوهية، فمن عبد الله وحده ولم يشرك به شيئا؛ فلا بد أن يكون قد اعتقد أنه هو ربه وخالقه؛ كما قال إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام: {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الآقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلاّ رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ}1. والربوبية والألوهية تارة يذكران معا؛ فيفترقان في المعنى، ويكون أحدهما قسميا للآخر؛ كما قال في قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ}؛ فيكون معنى الرب هو المالك المتصرف في الخلق، ويكون معنى الإلة أنه المعبود بحق المستحق للعبادة وحده، وتارة يذكر أحدهما مفردًا عن الآخر، فيجتمعان في المعنى؛ كما في قول الملكين للميت في القبر: من ربك؟ ومعناه: من إلهك وخالقك؟ وكما في قوله تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا الله}2، وقوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِي رَبّاً}3، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقَامُوا}4، فالربوبية في هذه الآيات هي الإلهية. والذي دعت إليه الرسل من النوعين هو توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية يقر به جمهور الأمم، ولم ينكره إلا شواذ من الخليقة، أنكروه في الظاهر فقط، والإقرار به وحده لا يكفي؛ فقد أقر به إبليس {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي}5، وأقر به المشركون الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما دلت على ذلك الآيات البينات؛ كما قال تعالى-: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله}6؛ فمن أقر بتوحيد الربوبية فقط؛ لم يكن مسلما، ولم يحرم دمه ولا ماله، حتى يقر بتوحيد الألوهية؛ فلا يعبد إلا الله. -------------------------------- 1 سورة الشعراء، الآيتان:75 - 82. 2 سورة الحج، الآية: 40. 3 سورة الأنعام، الآية: 164. 4 سورة فصلت، الآية: 30. 5 سورة الحجر، الآية: 39. 6 سورة الزخرف، الآية: 87. ص -36- وبهذا يتبين بطلان ما يزعمه علماء الكلام والصوفية أن التوحيد المطلوب من العباد هو الإقرار بأن الله هو الخالق المدبر، ومن أقر بذلك؛ صار عندهم مسلما، ولهذا يعرفون التوحيد في الكتب التي ألفوها في العقائد يما ينطبق على توحيد الربوبية فقط؛ حيث يقولون مثلاً: التوحيد هو الإقرار بوجود الله وأنه الخالق الرازق... إلخ، ثم يوردون أدلة توحيد الربوبية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "فإن عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع؛ فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث، وهو توحيد الأفعال، وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا: لا إله إلا الله، حتى معنى الألوهية القدرة على الاختراع، ومعلوم أن المشتركين من العرب الذين بعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم أولاً لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء، حتى إنهم كانوا يقرون بالقدر - أيضا، وهم مع هذا مشركون...". هذا كلام الشيخ - رحمه الله، وهو واضح في الرد على من اعتقد أن التوحيد المطلوب من الخلق هو الإقرار بتوحيد الربوبية. ويؤيد هذا قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا الله وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}1؛ فالرسل لم يقولوا لأممهم: أقروا أن الله هو الخالق؛ لأنهم مقرون بهذا، وإنما قالوا لهم: اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - أيضا -: "التوحيد الذي جاءت به الرسل إنما يتضمن إثبات الإلهية لله وحده؛ بأن يشهد أن لا إله إلا الله، لا يعبد إلا -------------------------------- 1 سورة النحل، الآية: 36. ص -37- إياه...". إلى أن قال: "وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم، كما يظن ذلك من يظنه أهل الكلام والتصوف، ويظن هؤلاء أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل؛ فقد أثبتوا غاية التوحيد، وأنهم إذا شهدوا هذا وفنوا فيه؛ فقد فنوا في غاية التوحيد". فإن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات، ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء؛ لم يكن موحدًا، حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده؛ فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويلزم بعبادة الله وحده لا شريك له. والإله هو المألوه المعبود الذي يستحق العبادة، وليس الإله بمعنى القادر على الاختراع، فإذا فسر الإله بمعنى القادر على الاختراع، واعتقد أن هذا المعنى هو أخص وصف الإله، وجعل إثبات هذا هو الغاية في التوحيد، كما يفعل ذلك من يفعله من متكلمة الصفايتة، وهو الذي يقولونه عن أبي الحسن وأتباعه؛ لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء، وكانوا مع هذا مشركين، قال تعالى-: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ}1، قال طائفة من السلف: تسألهم: من خلق السماوات والأرض؟ فيقولون: الله. وهم مع هذا يعبدون غيره!. قال تعالى-: {قُلْ لِمَنِ الآرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ}2. -------------------------------- 1 سورة يوسف، الآية: 106. 2 سورة المؤمنون، الآيات: 84 - 89. ص -38- فليس كل من أقر بأن الله تعالى رب كل شيء وخالقه يكون عابدًا دون ما سواه، داعيا له دون ما سواه، يوالي فيه ويعادي فيه ويطيع رسله. وعامة المشركين أقروا بأن الله خالق كل شيء، وأثبتوا الشفعاء الذين يشركونهم به، وجعلوا له أندادًا...". إلى أن قال - رحمه الله -: "ولهذا كان من أتباع هؤلاء من يسجد للشمس والقمر والكواكب، ويدعوها، ويصوم وينسك لها، ويتقرب إليها، ثم يقول: إن هذا ليس بشرك إذا اعتقدت أنها المدبرة لي، فإذا جعلتها سببا وواسطة؛ لم أكن مشركا، ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك..." انتهى كلام. قلت: وهذا ما يقوله عباد القبور اليوم؛ يتقربون إليها بأنواع العبادة، ويقولون: هذا ليس بشرك؛ لأننا لا نعتقد فيها أنها تخلق وتدبر، وإنما جعلناها وسائط نتوسل بأصحابها. أساليب القران في الدعوة إلى توحيد الإلهية: لما كان توحيد الربوبية قد أقر به الناس بموجب فطرهم ونظرهم في الكون، وكان الإقرار به وحده لا يكفي للإيمان بالله ولا ينجي صاحبه من العذاب؛ ركزت دعوات الرسل على توحيد الإلهية، خصوصا دعوة خاتم الرسل نبينا محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام؛ فكان يطالب الناس بقول لا إله إلا الله، المتضمنة لعبادة الله وترك عبادة ما سواه، فكانوا ينفرون منه، ويقولون: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}1، وحاولوا مع الرسول "أن يترك هذه الدعوة، ويخلي بينهم وبين عبادة الأصنام، وبذلوا في ذلك معه كل الوسائل؛ بالترغيب تارة، وبالترهيب تارة، وهو عبيه الصلاة -------------------------------- 1 سورة ص، الآية: 5. ص -39- والسلام يقول: "والله؛ لو وضعوا الشمس بيميني، والقمر بشمالي، على أن أترك هذا الأمر؛ لا أتركه، حتى يظهره الله أو أهلك دونه"، وكانت آيات الله تتنزل عليه بالدعوة إلى هذا التوحيد، والرد على شبهات المشركين، وإقامة الراهين على بطلان ما هم عليه. وقد تنوعت أساليب القرآن في الدعوة إلى توحيد الإلهية، وها نحن نذكر جملة منها؛ فمن ذلك: 1- أمره - سبحانه - بعبادته وترك عبادة ما سواه؛ كما في قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا الله وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً}1، وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ...} إلى قوله: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}2. 2- ومنها: إخباره - سبحانه - أنه خلق الخلق لعبادته؛ كما في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُونِ}3. 3- ومنها: إخباره أرسل جميع الرسل بالدعوة إلى عبادته والنهي عن عبادة ما سواه؛ كقوله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا الله وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}4. 4- ومنها: الاستدلال على توحيد الإلهية بانفراده بالربوبية والخلق والتدبير؛ كما في قوله - سبحانه -: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ...}5، وقوله: {لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ}6، وقوله: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ}7. 5- ومنها الاستدلال على وجوب عبادته - سبحانه - بانفراده بصفات الكمال وانتفاء ذلك عن آلهة المشركين؛ كما في قوله تعالى: {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ----------------------- سورة النساء، الآية: 36. 2 سورة البقرة، الآيتان: 21 - 22. 3 سورة الذاريات، الآية: 56. 4 سورة النحل، الآية: 36. 5 سورة البقرة، الآية: 21. 6 سورة فصلت، الآية: 37. 7 سورة النحل، الآية: 17. ص -40- هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}1، وقوله: {وَلِلَّهِ الآسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}2، وقوله عن خليله إبراهيم عليه السلام؛ أنه قال لأبيه: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً}3، وقوله: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ}4، وقوله: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً}5. 6- ومنها تعجيزه لآلهة المشركين؛ كقوله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ}6، وقوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً}7، وقوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالآرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ}8، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}9. 7- ومنها: تسفيه المشركين الذين يعبدون غير الله؛ كقوله تعالى: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله أَفَلا تَعْقِلُونَ}10، وقوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ الله مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ}11. 8- ومنها: بيان عاقبة المشركين الذين يعبدون غير الله، وبيان مآلهم مع من عبدوهم؛ حيث تتبرأ منهم تلك المعبودات في أحرج المواقف؛ كما في قوله تعالى: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ الله -------------------------------- 1 سورة مريم، الآية: 65. 2 سورة الأعراف، الآية: 148. 3 سورة مريم، الآية: 42. 4 سورة فاطر، الآية: 14. 5 سورة الأعراف، الآية: 148. 6 سورة الأعراف، الآيتان: 191 - 192. 7 سورة الإسراء، الآية: 56. 8 سورة النحل، الآية 73. 9 سورة الحج، الآية: 73. 10 سورة الأنبياء، الآيتان: 66 - 67. 11 سورة الأحقاف، الآية: 5. ص -41- شَدِيدُ الْعَذَابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ الله أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ}1، وقوله تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}2، وقوله: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ الله مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ}3، وقال تعالى -: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ}4، وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ}5. 9 - ومنها رده - سبحانه - على المشركين في اتخاذهم الوسائط بينهم وبين الله بأن الشفاعة ملك له - سبحانه، لا تطلب إلا منه، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه بعد رضاه عن المشفوع له؛ قال - سبحانه -: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ الله شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ}6، وقوله - سبحانه -: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِإِذْنِهِ}7، وقوله: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ الله لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى}8. فبين - سبحانه في هذه الآيات أن الشفاعة ملكه وحده، لا تطلب إلا منه، ولا تحصل إلا بعد إذنه للشافع ورضاه عن المشفوع له. 10- ومنها: أنه بين - سبحانه - أن هؤلاء المعبودين من دونه لا يحصل منهم -------------------------------- 1 سورة البقرة، الآية: 165. 2 سورة فاطر، الآية: 14. 3 سورة الأحقاف، الآيتان: 5 - 6. 4 سورة سبأ، الآيتان: 40 - 41. 5 سورة المائدة، الآية: 116. 6 سورة الزمر، الآيتان: 43 - 44. 7 سورة البقرة، الآية: 255. 8 سورة النجم، الآية: 26. ص -42- نفع لمن عبدهم من جميع الوجوه، ومن هذا شأنه لا يصلح للعبادة؛ كما في قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ}1. 11- ومنها: أنه - سبحانه - ضرب أمثلة كثيرة في القرآن يتضح بها بطلان الشرك، من ذلك قوله - سبحانه -: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}2. شَبَّه - سبحانه - التوحيد في علوه وارتفاعه وسعته وشرفه بالسماء، وشبه تارك التوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل السافلين؛ لأنه سقط من أوج الأيمان إلى حضيض الكفر، وشبه الشياطين التي تقلقه بالطير التي تمزق أعضاءه، وشبه هواه الذي يبعده عن الحق بالريح التي ترمي به في مكان بعيد. هذا مثال واحد من أمثلة كثيرة في القرآن، ذكرها الله - سبحانه - لبيان بطلان الشرك وخسارة المشرك في الدنيا والآخرة. وما سقناه في هذا البحث من أساليب القرآن في الدعوة إلى توحيد الألوهية وإبطال الشرك قليل من كثير، وما على المسلم إلا أن يقرأ القرآن بتدبر؛ ليجد الخير الكثير، والأدلة المقنعة، والبراهين الساطعة، التي ترسخ عقيدة التوحيد في قلب المؤمن، وتقتلع منه كل شبهة... حدوث الشرك في توحيد الإلهية: مطلوب من المسلم بعدما يعرف الحق أن يعرف ما يضاده من الباطل ليجتنبه؛ كما يقال: عرفت الشر لا للش ر لكن لتوقيه -------------------------------- 1 سورة سبأ، الآية: 22. 2 سورة الحج، الآية: 31. ص -43- وكان حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - يقول: "كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر؛ مخافة أن أقع فيه". ويقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "يوشك أن تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية". وقبل ذلك قال الخليل عليه السلام: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ}1. فهذا مما يوجب شدة الخوف من الشرك ومعرفته ليجتنبه المسلم: فالشرك هو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله؛ كالدعاء، والذبح، والنذر، والاستغاثة بغير الله فيما لا عليه إلا الله. والتوحيد هو إفراد الله تعالى بالعبادة، وهو أصيل في بني آدم، والشرك طارىء عليه، قال الله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}2 قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام". قال ابن القيم - رحمه الله -: "هذا القول هو الصحيح في الآية، وصحح هذا القول - أيضا - ابن كثير، وأول ما حدث الشرك في الأرض في قوم نوح، حين غلوا في الصالحين، {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً}3. قال البخاري في (صحيحه) عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: "هذه -------------------------------- 1 سورة إبراهيم، الآيتان: 36 - 35. 2 سورة البقرة، الآية: 213. 3 سورة نوح، الآية 23. ص -44- أسماء رجال من قوم نوح، فلما هلكوا؛ أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسي العلم؛ عبدت". قال ابن القيم: "قال غير واحد من السلف: لما ماتوا؛ عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم". ومن هذا الأثر الذي رواه البخاري عن عباس في غلو قوم نوح في الصالحين وتصويرهم إياهم والاحتفاظ بصورهم ونضبها على المجالس، منه ندرك خطورة التصوير، وخطورة التصوير، وخطورة تعليق الصور على الجدران، وخطورة نصب التماثيل في الميادين والشوارع، وأن ذلك يؤول بالناس إلى الشرك؛ بحيث يتطور تعظيم تلك الصور والتماثيل المنصوبة، فيؤدي ذلك إلى عبادتها كما حدث في قوم نوح. ولهذا؛ جاء الإسلام بتحريم التصوير، ولعن المصورين، توعدهم بأشد الوعيد، وأنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة؛ سدًا لذريعة الشرك، وابتعادًا عن مضاهاة خلق الله - عز وجل -. وندرك من هذه القصة مدى حرص الشيطان لعنه الله على إغواء بني آدم، ومكره بهم، وأنه قد يأتيهم من ناحية استغلال العواطف ودعوى الترغيب في الخير؛ فإنه لما رأى في قوم نوح ولوعهم بالصالحين ومحبتهم لهم؛ دعاهم إلى الغلو في هذه المحبة؛ بحيث أمرهم بنصب الصور التذكارية لهم، وهدفه من ذلك التدرج بهم في إخراجهم من الحق إلى الضلال، ولم يقتصر نظره على الحاضرين، بل امتد إلى أجيالهم اللاحقة، الذين قل فيهم العلم، وفشا فيهم الجهل؛ فزين لهم عبادة هذه الصور، وأوقعهم في الشرك الأكبر، وكابروا نبيهم بقولهم {لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ}. ص -45- قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: "وقد تلاعب الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام، بكل قوم على قدر عقولهم؛ فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صُوِّروا كما في قوم نوح، وهذا السبب هو الغالب على عوام المشركين، وأما خواصهم؛ فاتخذوا الأصنام على صور الكواكب المؤثرة في العالم بزعمهم، وجعلوا لهم بيوتا وسدنة وحجابا وقربانا، ولم يزل هذا في الدنيا قديما وحديثا، وأصل هذا المذهب من مشركي الصابئة، وهم قوم إبراهيم عليه السلام، والذين ناظرهم في بطلان الشرك، وكسر حجتهم بعلمه، وآلهتهم بيده، فطلبوا تحريفه، وطائفة أخرى اتخذت للقمر صنما، وزعموا أنه يستحق العبادة، وإليه تدبير هذا العالم السفلي، وطائفة تعبد النار، وهم المجوس، وطائفة تعبد الماء، وطائفة تعبد الحيوانات؛ فطائفة عبدت الخيل، وطائفة عبدت البقر، وطائفة عبدت البشر الأحياء والأموات، وطائفة تعبد الجن، وطائفة تعبد الشجر، وطائفة تعبد الملائكة" انتهى كلام ابن القيم - رحمه الله -. وبه تعرف معنى قوله تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}1وقوله تعالى: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إلاّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ الله بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إلاّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إلاّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}2، وقوله تعالى: {ضَرَبَ الله مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً }3 هؤلاء المشركون لما تركوا عبادة الله وحده لا شريك له، وهي التي خلقوا من أجلها، وبها سعادتهم؛ ابتلوا بعبادة الشياطين، وتفرقت بهم الأهواء والشهوات؛ كما قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: -------------------------------- 1 سورة الحج، الآية: 31. 2 سورة يوسف، الآيتان: 39 40. 3 سورة الزمر، الآية: 29. ص -46- هربوا من الرق الذي خلقوا له فبلوا برق النفس والشيطان فلا اجتماع للقلوب، ولا صلاح للعالم؛ إلا بالتوحيد؛ كما قال تعالى-: {أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاّ الله لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ الله رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}1، ولذلك إذا خلت الأرض من التوحيد؛ قامت القيامة؛ كما روى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله". ومثل تفرق المشركين الأولين في عباداتهم ومعبوداتهم تفرق القبوريين اليوم في عبادة القبور؛ فكل منهم له ضريح خاص يتقرب إليه بأنواع العبادة، وكل طريقة من الطرق الصوفية لها شيخ اتخذه مريدوه ربا من دون الله؛ يشرع لهم من الدين ما لم يأذن به الله. وهكذا تلاعب الشيطان ببني آدم، ولا نجاة من شره ومكره إلا يتوحيد الله والاعتصام بكتابه وسنة رسوله. نسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه؛ إنه هو مولانا؛ فنعم المولى ونعم النصير. خطر الشرك ووجوب الحذر منه بتجنب أسبابه: الشرك أعظم الذنوب؛ لأن الله تعالى أخبر أنه لا مغفرة لمن لم يتب منه، مع أنه سبحانه كتب على نفسه الرحمة، وذلك يوجب للعبد شدة الحذر وشدة الخوف من الشرك الذي هذا شأنه، ويحمله على معرفته لتوقيه؛ لأنه أقبح القبيح، وأظلم الظلم؛ قال تعالى-: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}2، وذلك لأنه تنقص لله عز وجل ومساواة لغيره به؛ كما قال تعالى-: {الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}3، وقال تعالى-: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}4، ولأن الشرك مناقض للمقصود بالحلق والأمر من كل -------------------------------- 1 سورة الأنبيا، الآيتان: 21 - 22. 2 سورة لقمان، الآية: 13. 3 سورة الأنعام، الآية: 1. 4 سورة البقرة، الآية: 22. ص -47- وجه؛ فمن أشرك بالله - عز وجل، فقد شبه المخلوق بالخالق، وأقبح التشبيه تشبيه العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات عن جميع المخلوقات. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الشرك، وسدَّ كل الطرق التي تفضي إليه؛ فقد بعث الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم وحالة العرب - بل وحالة أهل الأرض كلهم إلا بقايا من أهل الكتاب - كانت على أسوأ حالة؛ كما قال تعالى-: {لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}1. لقد كانت الخليقة في هذه الفترة بين حائرة تتخذ آلهتها من حجارة منحوتة وأصنام منصوبة تعكف عندها وتطوف حولها وتقرب لها الذبائح من أنفس أموالها بل وحتى من أولادها؛ كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ}2. وفريق آخر - أهل الكتاب -: إما نصرانية حائرة ضلت عن سواء السبيل، فجعلت الآلهة ثلاثة، واتخذت من أحبارها وقديسيها أربابا من دون الله، وإما يهودية مدمرة، عاثت في الأرض فسادًا، وأشعلت نار الفتن، ونقضت عهد الله وميثاقه، وتلاعبت بنصوص كتابها حتى حرفتها عن مواضعها. وفريق ثالث هم المجوس الذين يعبدون النيران، ويتخذون إلهين: أحدهما خالق للخير، والثاني خالق للشر بزعمهم. وفريق رابع، وهم الصابئون الذين يعبدون الكواكب والنجوم، ويعتقدون تأثيرها في الأرض. وفريق خامس، هم الدهرية الذين لا يدينون بدين، ولا يؤمنون ببعث ولا حساب. -------------------------------- 1 سورة آل عمران، الآية: 164. 2 سورة الأنعام، الآية: 137. ص -48- هكذا كانت حالة أهل الأرض عند بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، جهالة جهلاء، وضلالة عمياء؛ فأنقذ الله به من قبل دعوته واستجاب له من الظلمات إلى النور، وأعاد الحنيفية السمحة ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهدم الأوثان، ونهى عن الشرك، وسد كل الوسائل الموصلة إليه. وإليك بيان الوسائل القولية والفعلية التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها تفضي إلى الشرك: 1- نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التلفظ بالألفاظ التي فيها التسوية بين الله وبين خلقه؛ مثل: "ما شاء الله وشئت"، "لولا الله وأنت"، وأمر بأن يقال بدل ذلك: (ما شاء الله ثم شئت)؛ لأن الواو تقتضي التسوية و"ثم" تقتضي الترتيب، وهذه التسوية في اللفظ شرك أصغر، وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر. 2- نهى صلى الله عليه وسلم عن الغلو في تعظيم القبور بالبناء عليها وإسراجها وتحصيصها والكتابة عليها. 3- نهى عن اتخاذ القبور مساجد للصلاة عندها؛ لأن ذلك وسيلة لعبادتها. 4- نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ لما في ذلك في التشبه بالذين يسجدون لها في هذه الأوقات. 5- نهى عن السفر إلى أي مكان من الأمكنة بقصد التقرب إلى الله فيه بالعبادة؛ إلا إلى المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى. 6- نهى صلى الله عليه وسلم عن الغلو في مدحه؛ فقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد؛ فقولوا: عبد الله ورسوله"، والإطراء هو المبالغة في ص -49- المدح. 7- نهى صلى الله عليه وسلم عن الوفاء بالنذر إذا كان في مكان يعبد فيه صنم أو يقان فيه عيد من أعياد الجاهلية. كل هذا حذر منه؛ صيانة للتوحيد، وحفاظا عليه، وسدًا للوسائل والذرائع التي تفضي إليه. ومع هذا البيان التام من النبي صلى الله عليه وسلم ، والاحتياط الشديد الذي يبعد الأمة عن الشرك؛ خالف القبور سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعصوا أمره، وارتكبوا ما نهاهم عنه؛ فشيدوا القباب على القبور، وبنوا عليها المساجد، وزينوها بأنواع الزخارف، وصرفوا لها أنواعا من العبادة من دون الله. قال الإمام العلامة ابن القيم - رحمه الله -: "ومن جمع بين سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في القبور، وما أمر به ونهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم؛ رأى أحدهما مضادًا للآخر، ومناقضا له؛ بحيث لا يجتمعان أبدًا؛ فنهى رسول الله (عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها وإليها، ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد ويسمونها مشاهد؛ مضاهاة لبيوت الله، ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها، ونهى أن تتخذ عيدًا، وهؤلاء يتخذونها أعيادًا ومناسك يجتمعون لها كاجتماعهم للعيد وأكثر، وأمر بتسويتها؛ كما روى مسلم في (صحيحه) عن أبي الهياج الأسدي؛ قال: قال لي علي - رضي الله عنه -: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفا إلا سويته"، وهؤلاء يبالغون في مخالفة الحديث، ويرفعونها عن الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب، ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه؛ كما روى مسلم عن جابر - رضي الله عنه -: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن تخصيص القبر، وأن يقعد ص -50- عليه، وأن يبنى عليه"، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكتابة عليها؛ كما روى أبو دواد في (سننه) عن جابر: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن تخصيص القبور وأن يكتب عليها"، قال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وهؤلاء يتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره، ونهى أن يزاد عليها غير ترابها؛ كما روى أبو دواد عن جابر - أيضا -: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يجصص القبر، أو يكتب عليه، أو يزاد عليه"، وهؤلاء يزيدون عليها الآجر والجص والأحجار، وقال إبراهيم النخعي: "كانوا يكرهون الآجر على قبورهم"، والمقصود أن هؤلاء المعظمين للقبور، المتخذين لها أعيادًا، الموقدين عليها السرج، الذين يبنون عليها المساجد والقباب؛ مناقضون لما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم محادون لما جاء به، وأعظم ذلك اتخاذها مساجد، وإيقاد السرج عليها، وهو من الكبائر...". انتهى كلام ابن القيم - رحمه الله - في وصف ما أحدثه عباد القبور في زمانه، وقد زاد الأمر بعده وتطور إلى أشد وأشنع، واعتبر من ينكر ذلك شاذًا متشددًا متنقصا لحق الأولياء، ومن العجب أنهم يغارون لتنقص حق الأولياء حيث اعتبروا ترك عبادتهم تنقصا لهم، ولا يغارون لتنقص حق الله بالشرك الأكبر، ولا يغارون لتنقص رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخالفة سنته؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 8 - الغلو في حقه صلى الله عليه وسلم: لقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو في تعظيمه ومدحه، وغيره من باب أولى؛ لأن ذلك يؤدي إلى إشراك المخلوقين في حق الخالق - سبحانه تعالى -. ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو في مدحه؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، وإنما أنا عبد؛ فقولوا: عبد الله ورسوله"، رواه البخاري ومسلم، والإطراء هو مجاوزة الحد في مدحه؛ أي: لا تمدحوني فتغلوا ص -51- في مدحي كما غلت النصارى في عيسى ابن مريم عليه السلام، حتى ادعوا فيه الألوهية، "إتما أنا عبد؛ فقولوا: عبد الله ورسوله"؛ أي: صفوني بذلك، ولا تزيدوا عليه؛ فقولوا: عبد الله ورسوله؛ كما وصفني ربي بذلك؛ كما في قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ}1، وقوله: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ}2، وقوله: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ}3، وقوله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ}، وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ}. فأبى المشركون إلا مخالفة أمره، وارتكاب نهيه؛ فعظموه بما نهاهم عنه وحذرهم منه، وناقضوه أعظم مناقضة، وشابهوا النصارى في غلوهم وشركهم، وجرى منهم من الغلو في حقه صلى الله عليه وسلم بما هو صريح الشرك في نثرهم وشعرهم؛ كقوله البوصيري في (البردة) يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم وما بعده من الأبيات التي مضمونها توجيه الدعاء والعياذ واللياذ إلى رسول صلى الله عليه وسلم، وطلب تفريج الكربات منه في أضيق الحالات وأشد الصعوبات، ونسي الله - عز وجل، وذلك أن الشيطان زين لهذا الناظم ولأمثاله سوء عملهم، فأظهر لهم هذا الغلو في مدحه - وإن كان شركا أكبر - في قالب حبه وتعظيمه صلى الله عليه وسلم ، وأظهر لهم التزام السنة في عدم الغلو به "في قالب بغضه وتنقصه، وفي الحقيقة أن ارتكاب ما نهى عنه صلى الله عليه وسلم من الإفراط في مدحه وترك متابعته في أقواله وأفعاله وعدم الرضى بحكمه هو التنقص الحقيقي له صلى الله عليه وسلم، فلا يحصل تعظيمه ولا تتحقق محبته إلا باتباعه ونصرة دينه وسنته. وقد جاء في حديث عبد الله بن الشخير - رضي الله عنه، قال: "انطلقت مع وفد بني عامر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أنت سيدنا وابن سيدنا. فقال: "السيد -------------------------------- 1 سورة الكهف، الآية: 1. 2 سورة الفرقان، الآية: 1. 3 سورة الجن، الآية: 19. ص -52- الله تبارك تعالى. فقلنا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً. فقال: قولوا بقولكم أو: بعض قولكم)، ولا يستجرينكم الشيطان"، رواه أبو دواد بسند جيد. ففي هذا الحديث منع صلى الله عليه وسلم هؤلاء أن يقولوا له: أنت سيدنا، وقال: "السيد الله تبارك وتعالى"، ونهاهم أن يقولوا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً، وذلك لأنه خشي عليهم الغلو، وكره أن يواجهوه بالمدح فيفضي بهم إلى الغلو، وقال: "لا يستجرينكم الشيطان"، أي: يتخذكم جريا له، والجري الرسول والوكيل؛ فبين بهذا أن مواجهة المادح لممدوح بالمدح - ولو بما فيه - أنه من عمل الشيطان؛ لأن ذلك يسبب تعاظم الممدوح، وذلك مما ينافي كمال التوحيد، كما أنه قد يسبب غلو المادح حتى ينزل الممدوح منزلة لا يستحقها. وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن إطرائه، والإطراء هو الزيادة في المدح حتى يفضي ذلك إلى الشرك به ووصفه بأوصاف الربوبية، كما حصل في كثير من المدائح النبوية، التي نظمها بعض الغالين، كصاحب (البردة) وغيره، مما جرهم إلى الشرك الأكبر؛ كقول صاحب (البردة). يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم وقوله: فإن من جودك الدينا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم والنبي صلى الله عليه وسلم لما أكمل الله له مقام العبودية؛ صار يكره أن يمدح؛ صيانة لمقام العبودية، وحماية للعقيدة، وأرشد الأمة إلى ترك ذلك؛ نصحا لها، وحماية لمقام التوحيد عن أن يدخله ما يفسده أو يضعفه من الشرك ووسائله، ومن ذلك نهيه لهؤلاء أن يقولوا له: أنت سيدنا، والسيد مأخوذ من السؤدد. قال ابن الأثير في (النهاية): "والسيد يطلق على الرب، والمالك، ص -53- والشريف، والفاضل، والكريم، والحليم، ومتحمل أذى قومه، والزوج، والرئيس، والمقدم، وقوله: "هذا الحديث الشريف: (السيد الله)؛ يريد أن السؤدد حقيقة لله عز وجل، وأن الخلق كلهم عبيد له، والسيد إذا أطلق على الله - تعالى، فهو بمعنى المالك والمولى والرب، وقال ابن عباس: {الله الصَّمَدُ}؛ أي: السيد الذي كمل في جميع أنواع السؤدد". قال ابن الأثير - رحمه الله -: "فيه أنه جاء رجل من قريش، فقال: أنت سيد قريش. فقال: (السيد الله). أي: هو الذي تحق له السيادة، كأنه كره أن يحمد في وجهه، وأحب التواضع، وحديث: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر"؛ قاله إخبارًا عما أكرمه الله به من الفضل والسؤدد، وتحدثا بنعمة الله تعالى عليه، وإعلاما لأمته؛ ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه، ولهذا أتبعه بقوله: (ولا فخر)؛ أي أن هذه الفضيلة التي نلتها كرامة من الله، ولم أنلها من قبل نفسي، ولا بلغتها بقوتي؛ فليس لي أن أفتخر بها..." انتهى. فهو صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم كما أخبر بذلك، لكن لما واجهه هؤلاء بهذا اللفظ؛ نهاهم عنه؛ خوفا من الغلو، الذي يفضي بهم إلى الشرك. ومما يوضح هذا ما ورد عن أنس بن مالك - رضي الله عنه ، أن ناسا قالوا: يا خيرنا وابن خيرنا! وسيدنا وابن سيدنا! فقال: "يا أيها الناس! قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، وأنا محمد، عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل" رواه النسائي بسند جيد. ففي هذا الحديث ما يبين أنه نهاهم أن يقولوا: يا سيدنا! خشية عليهم من الغلو في حقه؛ فسد هذا الطريق من أساسه، وأرشدهم أن يصفوه بصفتين هما أعلى مراتب العبودية، وقد وصفه الله بهما في مواضع من كتابه، وهما قوله: "عبد الله ورسوله"، ولم يحب أن يرفعوه فوق ما أنزله الله عز وجل؛ حماية ص -54- للتوحيد. وهذا كثير في السنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم، كقوله: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، وإنما أنا عبد؛ فقولوا: عبد الله ورسوله"، وقوله: "إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله عز وجل"، ونهى عن التمادح، وشدد فيه؛ كقوله لمن مدح إنسانا: "ويلك! قطعت عنق صاحبك"، وقال: "إذا لقيتم المداحين؛ فاحثوا في وجههم التراب"، وذلك لما يخاف على المادح من الغلو، وعلى الممدوح من الإعجاب، وكلاهما يؤثران على العقيدة. بقي أن يقال: هل يجوز أن يقال للمخلوق سيد؟. قال العلامة ابن القيم: "اختلف الناس في جواز إطلاق السيد على البشر فمنعه قوم، ونقل عن مالك، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: يا سيدنا! قال: "السيد الله تبارك وتعالى"، وجوزه قوم، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: "قوموا إلى سيدكم"، وهذا أصح من الحديث الأول..." انتهى. قال الشارح: "وأما استدلالهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: "قوموا إلى سيدكم"؛ فالظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يواجه سعدًا به؛ فيكون في هذا المقام تفضيل" انتهى. وكأنه يقصد بالتفصيل أنه لا يجوز أن يواجه الإنسان ويقال له: يا سيد! من باب المدح، ويجوز أن يقال هذا في حقه إذا كان غائبا، وكان ممن يستحق هذا الوصف؛ جمعا بين الأدلة. والله أعلم. 9- الغلو في الصالحين: إذا كان الغلو في حقه صلى الله عليه وسلم ممنوعا؛ فالغلو في حق غيره من الصالحين من باب أولى. ص -55- والمراد بالغلو في الصالحين: رفعهم فوق منزلهم التي أنزلهم الله إلى ما لا يجوز إلا لله؛ من الاستغاثة بهم في الشدائد، والطواف بقبورهم، والتبرك بتربتهم، وذبح القرابين لأضرحتهم، وطلب المدد منهم... وقد أدخل الشيطان الشرك على قوم نوح من باب الغلو في الصالحين؛ فيجب الحذر من ذلك، وإن كان القصد حسنا. وقد وقع في هذه الأمة مثل ما وقع لقوم نوح لما أظهر الشيطان لكثير من المفتونين الغلو والبدع في قالب تعظيم الصالحين ومحبتهم؛ ليوقعهم فيما أوقع به قوم نوح؛ فما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور ويلقي إليهم أن البناء والعكوف على قبور الصالحين يعد محبة لهم، وأن الدعاء عند قبورهم يستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء والتوسل بها، فإذا ألفوا ذلك؛ نقلهم منه إلى دعاء المقبورين وعبادتهم وسؤالهم الشفاعة من دون الله عز وجل، فتصبح قبورهم أوثانا، تعلق عليها القناديل، وتسدل عليها الستور، ويطاف بها، وتستلم، وتقبل... فإذا ألفوا ذلك؛ نقلهم إلى أن يدعوا الناس إلى عبادة هذه القبور، واتخاذها أعيادًا ومناسك، فإذا ألفوا ذلك، وتقرر عندهم؛ نقلهم إلى اعتقاد أن من نهى عنه؛ فقد تنقص الأولياء وأبغضهم، وزعم أنه لا حرمه لهم ولا قدر لهم، وقد سرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين؛ حتى عادوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم؛ فعلوا ذلك كله تحت ستار حب الصالحين وتعظيمهم، وقد كذبوا في ذلك؛ لأن محبة الصالحين على الحقيقة تكون على وفق الكتاب والسنة، وذلك بمعرفة فضلهم، والاقتداء بهم في الأعمال الصالحة، من غير إفراط ولا تفريط، {يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}1. -------------------------------- 1 سورة الحشر، الآية: 10. ص -56- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني أو أغنثني أو ارزقني أو أنا في حسبك... ونحو هذه الأقوال؛ فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب، وإلا؛ قتل؛ فإن الله - سبحانه تعالى - إنما أرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده لا شريك له، ولا يدعى معه إله آخر، والذين يدعون مع الله إلها آخر مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو يعبدون صورهم ويقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إلاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى}1، ويقولون: {هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ الله}2، فبعث الله - سبحانه - رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه؛ لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة..." انتهى كلام الشيخ - رحمه الله -. وبه يتضح كشف شبهة هؤلاء القبوريين، الذين يسوغون فعلهم هذا بأنهم لا يعتقدون في الأولياء مشاركة الله في الخلق والرزق والإحياء والإماتة، وإنما يعتقدون فيهم أنهم وسائط بينهم وبين الله في قضاء حاجاتهم وتفريج كربتهم، وهي نفس الشبهة التي قالها مشركو الجاهلية كما ذكرها الله في كتابه وأبطلها. والواقع أن الشرك هؤلاء المتأخرين زاد على شرك الجاهلية؛ فصاروا يهتفون بأسماء هؤلاء الأموات في كل مناسبة، ولا يذكرون اسم الله إلا قليلاً، وإنما يجري على ألسنتهم اسم الولي دائما، والأولون كاونوا يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، وهؤلاء شركهم دائم في الرخاء والشدة؛ كما قال الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني - رحمه الله -: وكم هتفوا عند الشدائد باسمها كما يهتف المضطر بالصمد الفرد فيا علماء المسلمين! أنتم المسؤولون عن هذه القطعان الضائعة والتائهة -------------------------------- 1 سورة الزمر، الآية: 3. 2 سورة يونس، الآية: 18. ص -57- في الضلال: لماذا لا تبينون لهم طريق الحق، وتنهونهم عن هذا الشرك العظيم، وأنتم تسكنون معهم وتخالطونهم؟! لماذا ضيعتم ما أوجب الله عليكم من الدعوة والبيان بقوله: {وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ}1؟! أليس العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء جاؤوا بإنكار هذا الشرك وجهاد أهله حتى يكون الدين كله لله؟! فاتقوا الله الذي حملكم هذه المسؤولية وسيسألكم عنها؛ فقد ورد في الحديث الصحيح أن العالم الذي لا يعمل بعلمه من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة. إن كنتم ترون هذا شركا وتركتم الناس عليه؛ فالأمر خطير، وإن كنتم لا ترونه شركا؛ فالأمر أشد خطرًا؛ لأنكم جهلتم ما هو من أوضح الواضحات. اللهم أصلح أحوال المسلمين، واهد ضلالهم؛ إنك على كل شيء قدير. 10- التصوير وسيلة إلى الشرك. والتصوير معناه: نقل شكل وهيئته بواسطة الرسم أو الالتقاط بالآلة أو النحت، وإثبات هذا الشكل على لوحة أو ورقة أو تمثال. وكان العلماء يتعرضون للتصوير في مواضيع العقيدة؛ لأن التصوير وسيلة من وسائل الشرك وادعاء المشاركة لله بالخلق أو المحاولة لذلك. وأول شرك حدث في الأرض كان بسبب التصوير، حينما أقدم قوم نوح على تصوير الصالحين ونصب صورهم ----------------------- 1 سورة آل عمران، الآية: 187. ص -58- على المجالس. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من التصوير بجميع أنواعه، ونهى عنه، وتوعد من فعله بأشد الوعيد، وأمر بطمس الصور وتغيرها؛ لأن التصوير فيه مضاهاة لخلق الله عز وجل، الذي انفرد بالخلق؛ فهذا الإنسان المصور يحاول أن يضاهي الله عز وجل فيما انفرد به من الخلق، ولأن التصوير وسيلة من وسائل الشرك؛ فأول حدوث الشرك في الأرض كان بسبب التصوير؛ لما زين الشيطان لقوم نوح تصوير الصالحين، ونصب صورهم على المجالس؛ لأجل تذكر أحوالهم، والاقتداء بهم في العبادة، حتى آل الأمر إلى عبادة تلك الصور، واعتقاد أنها تنفع وتضر من دون الله. فالتصوير هو منشأ الوثنية؛ لأن تصوير المخلوق تعظيم له، وتعلق به في الغالب، خصوصا إذا كان المصور له شأن من سلطة أو علم أو صلاح، وخصوصا إذا عظمت الصورة بنصبها على حائط أو إقامتها في شارع أو ميدان؛ فإن ذلك يؤدي إلى التعلق بها من الجهال وأهل الضلال، ولو بعد حين، ثم هذا - أيضا - فيه فتح باب لنصب الأصنام والتماثيل التي تعبد من دون الله. وسأورد الأحاديث الصحيحة والصريحة في هذا الموضوع مع التعليق عليها بما تيسر. 1- عن أبي هريرة - رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟! فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة"، أخرجه البخاري ومسلم. ومعناه: لا أحد أشد ظلما من المصور؛ لأنه لما صور الصورة على شكل ما خلقه الله من إنسان أو بهيمة أو غيرهما من ذوات الأرواح؛ صار مضاهيا لخلق الله، الذي هو خالق كل شيء، وهو رب كل شيء، وهو الذي صور جميع ص -59- المخلوقات، وجعل فيها الأرواح التي تحصل بها حياتها؛ كما قال تعالى-: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالآرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ}1، وقال تعالى-: {هُوَ الله الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ}2، ثم إن الله تحدى هؤلاء المصورين الذين يحاولون مضاهاة خلقه أن يوجدوا في تلك الصور التي صوروها أرواحا تحيا بها كما في المخلوق الذي صوروا، وهذا بيان لعجزهم وفشلهم في محولتهم، وكما أنهم عاجزون عن إيجاد حيوان ذي روح؛ فهم عاجزون عن إيجاد الثمر والحب؛ (فليخلقوا حبة). 2- وروى البخاري ومسلم عن عائشة - رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله". فهذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بشدة عذاب المصورين يوم القيامة، وسوء عاقبتهم، وإن عاشوا في هذه الدنيا سالمين، وسموا فنانين، وشجعوا بأنواع التشجيع؛ فإن لهم مصيرًا ينتظرهم إذا لم يتوبوا؛ لأنهم بعملهم هذا يضاهون بخلق الله؛ أي: يشابهون بما يصنعونه من الصور ما صنعه الله من الخلق وتفرد به وهو الخلاق العليم، {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}3. قال الإمام النووي - رحمه الله - في هذا الحديث: "قيل هذا محمول على صانع الصورة لتعبد، وهو صانع الأصنام ونحوها؛ فهذا كافر، وهو أشد الناس عذابا، وقيل هو فيمن قصد هذا المعنى الذي في الحديث من مضاهاته خلقه، واعتقد ذلك؛ فهذا كافر - أيضا، وله من شدة العذاب ما للكافر، ويزيد عذابه بزيادة كفره، فأما من لم يقصد بها العبادة ولا المضاهاة؛ فهو فاسق، صاحب ذنب كبير، لا يكفر". قال شيخ عبد الرحمن بن حسن - رحمه الله -: "وإذا كان هذا فيمن صور -------------------------------- 1 سورة التغابن، الآية: 3. 2 سورة الحشر، الآية: 24. 3 سورة الرعد، الآية: 16. ص -60- صورة على مثال ما خلقه الله من الحيوان؛ فكيف بمن سوى المخلوق برب العالمين، وصرف له شيئا من العبادة؟!". 3- وروى البخاري ومسلم - رحمهما الله - عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: سمعت رسول الله يقول: "كل مصور يجعل له بكل صورة صوَّرها نفس يعذَّب بها في جهنم". ومعناه: أنه في يوم القيامة تحضر الصور التي صورَّها في الدنيا، ويجعل في كل واحدة منه نفس يعذب بها في جهنم؛ قلَّت الصور أم كثرت، فقياسي عذابها؛ بحيث يُكَوَّن من كل صورة شخص يعذب به في جهنم. 4- وروى البخاري ومسلم - رحمهما الله - عن ابن عباس - أيضا -: "من صور صورة؛ كلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ". وهذا نوع آخر من العذاب للمصور، ومعناه واضح، وهو أن المصور تحضر أمامه جميع الصور التي صورها في الدنيا،ثم يؤمر أن ينفخ في كل واحدة منها الروح، وأنَّى له ذلك والروح من أمر ربي؟! وإنما هذا تعذيب له وتعجيز له؛ لأنه يكلف ما لا يطيق، فيكون معذبا؛ فالحديث يدل على طول تعذيبه،وإظهار عجزه عما كان يتعاطاه في دنياه من مضاهاة خلق الله. 5- وروى مسلم - رحمه الله - عن أبي الهياج؛ قال: قال لي علي - رضي الله عنه -: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسوله الله صلى الله عليه وسلم؟. أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفا إلا سويته". ففي هذا الحديث الأمر بطمس الصور، وهو تغييرها عن هيئتها حتى لا تبقى على حالها المشابهة لخلق الله، وفيه الأمر بهدم المباني المقامة على القبور من قباب ومساجد وغيرها من مظاهر الوثنية، ففي هذا الحديث الأمر بالقضاء على وسيلتين من أكبر وسائل الشرك وذرائعه المفضية إليه، وهما: ص -61- التصوير والبناء على القبور، وهذا وأمثاله من أكبر مصالح الدين وحماية عقيدة المسلمين. وقد كثر في زماننا هذا التصوير واستعماله ونصب الصور بتعليقها والاحتفاظ بالصور التذكارية1، وكثر - أيضا - في هذا الزمان البناء على القبور، حتى صار ذلك أمرًا مألوفا، وذلك بسب غربة الدين، وخفاء السنن، وظهور البدع، وسكوت كثير من العلماء، واستسلامهم للأمر الواقع، حتى أصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفا في غالب البلدان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فالواجب التنبيه والنصيحة لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة المسلمين وعامتهم، خصوصا وأن دعاة الضلال والمروجين للباطل كثيرون؛ فلا بد من كشف زيفهم، ورد ضلالهم، وتبصير المسلمين بشرهم حتى يحذرهم. وفق الله المسلمين للعمل بكتابه وسنة رسوله. نقض شبهات المشركين التي يتعلقون بها في تسويغ شركهم في توحد الإلهية: إنه بسبب رواج الشبه والحكايات التي ضل بها أكثر الناس وعدوها أدلة يستندون إليها في تبرير ضلالتهم وشركهم؛ استمرؤوا ما هم عليه؛ فكان لا بد من كشف زيفها وبيان بطلانها؛ {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}2. وهذه الشُّبَه منها ما هو قديم أدلى به المشركون من الأمم السابقة، ومنها 1 وإذا جاء التصوير في الحالات الضرورية؛ كالتصوير لحفيظة النفوس وجواز السفر ورخصة القيادة؛ فإنه يقتصر على تلك الحالات الضرورية، ولا يتوسع في غيرها؛ لأن الرخص تقدر بالضرورة. -------------------------------- 2 سورة الأنفال، الآية: 42. ص -62- ما أدلى به مشركو هذه الأمة. ومن هذه الشبه: أولاً: شبهة تكاد تكون مشتركة بين طوائف المشركين في مختلف الأمم، وهي: شبهة الاحتجاج بما كان عليه الآباء والأجداد، وأنهم ورثوا هذه العقيدة خلفا عن سلف. كما قال - الله تعالى - عنهم: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}1. وهذه حجة يلجأ إليها من يعجز عن إقامة الدليل على دعواه، وهي حجة داحضة، لا يقام لها وزن في سوق المناظرة؛ فإن هؤلاء الآباء الذين قلدوهم ليسوا على هدى، ومن كان كذلك؛ لا تجوز متابعته والاقتداء به؛ قال تعالى ردّاً عليهم: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ}2وقال تعالى: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ}3وقال: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ}4. وإنما يكون الاقتداء بالآباء محمودًا إذا كانوا على حق؛ كما قال تعالى عن يوسف عليه السلام؛ أنه قال: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ}5، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}6. وشبهة الاحتجاج بما كان عليه الآباء الضالون متغلغلة في نفوس المشركين، يقابلون بها دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: فقوم نوح لما قال لهم نوح: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأُوَّلِينَ}7. -------------------------------- 1 سورة الزخرف، الآية: 23. 2 سورة الزخرف، الآية: 24. 3 سورة المائدة، الآية: 104. 4سورة البقرة، الآية: 170. 5سورة يوسف، الآية: 38. 6سورة الطور، الآية: 21 7سورة المؤمنين، الآيتان: 23 ـ 24. ص -63- فجعلوا ما عليه آباؤهم حجة يعارضون بها ما جاءهم به نبيهم نوح - عليه السلام -. وقوم صالح يقولون له: {أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا}1. وقوم إبراهيم يقولون له: {بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون}2.وفرعون يقول لموسى عليه السلام: {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى}3.ومشركوا العرب يقولون لمحمد صلى الله عليه وسلم لما قال لهم: (قولوا لا إله إلا الله)؛ قالوا: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاّ اخْتِلاقٌ}4. ثانيا: ومن الشبه التي يدلي بها عباد القبور اليوم: ظنهم أن مجرد النطق بلا إله إلا الله يكفي لدخول الجنة، ولو فعل الإنسان ما فعل؛ فإنه لا يكفر، وهو يقول: لا إله إلا الله، متمسكين بظواهر الأحاديث التي ورد فيها أن من نطق بالشهادتين؛ حرم على النار. والجواب عن هذه الشبهة: أن هذه الأحاديث ليست على إطلاقها، وإنما هي مقيدة بأحاديث أخرى جاء فيها؛ أنه لا بد لمن قال: لا إله إلا الله أن يعتقد معناها بقلبه، ويعمل بمقتضاها، فيكفر بما يعبد من دون الله؛ كما في حديث عتبان: "فإن الله حرم النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله "، وإلا فالمنافقون يقولون لا إله إلا الله بألسنتهم، وهم في الدرك الأسفل من النار، ولم ينفعهم النطق بلا إله إلا الله؛ لأنهم لا يعتقدون ما دلت عليه بقلوبهم، وفي (صحيح مسلم): "من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه، وحسابه على الله"؛ فعلق النبي صلى الله عليه وسلم حرمة المال والدم على أمرين: الأول: قول: لا إله إلا الله. والثاني: الكفر بما يعبد من دون ----------------------- 1 سورة هود، الآية: 62. 2 سورةالشعراء، الآية: 74. 3 سورة طه، الآية: 51. 4 سورة ص، الآية: 7. ص -64- الله. ولم يكتف بمجرد النطق بلا إله إلا الله؛ فدل على أن الذي يقول: لا إله إلا الله، ولا يترك عبادة الموتى والتعلق بالأضرحة، لا يحرم ماله ولا دمه. ثالثا: ومن الشبه التي يدلون بها أيضا: دعواهم أنه لا يقع في هذه الأمة المحمدية شرك، وهم يقولون: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وأن هذا الذي يمارسونه عند الأضرحة من عبادة الموتى ودعائهم من دون الله لا يسمى شركا عندهم. والجواب عن هذه الشبهة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه سيكون في هذه الأمة مشابهة لليهود والنصارى فيما هم عليه، ومن جملة ذلك اتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وأخبر صلى الله عليه وسلم أنها لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمته بالمشركين، وحتى تعبد فئات من أمته الأوثان، وقد حدث في هذه الأمة من الشرك والمبادىء الهدامة والنحل الضالة ما خرج به كثير من الناس عن دين الإسلام وهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله. رابعا: ومن الشبه التي تعلقوا بها: قضية الشفاعة؛ حيث يقولون: نحن لا نريد من الأولياء والصالحين قضاء الحاجات من دون الله، ولكن نريد منهم أن يشفعوا لنا عند الله؛ لأنهم أهل صلاح ومكانة عند الله؛ فنحن نريد بجاههم وشفاعتهم. والجواب: أن هذا هو عين ما قاله المشركون من قبل في تسويغ ما هم عليه، وقد كفَّرهم الله، وسمَّاهم مشركين؛ كما في قوله تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ}1. والشفاعة حق؛ ولكنها ملك لله وحده؛ كمال قال تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً}2 فهي تطلب من الله من الأموات؛ لأن الله لم يرخص -------------------------------- 1 سورة يونس، الآية: 18. 2 سورة الزمر، الآية: 44. ص -65- في طلب الشفاعة من الملائكة ولا من الأنبياء ولا غيرهم؛ لأنها ملكه سبحانه، وتطلب منه؛ ليأذن للشافع أن يشفع، وليس كما هو عند المخلوقين من تقدم الشفعاء لديهم بدون إذنهم، ويضطرون إلى قبول الشفاعة؛ لحاجتهم إليهم، وإن لم يرضوا عن المشفوع فيه؛ لأنهم يحتاجون إلى الأعوان والوزراء، أما الله سبحانه؛ فلا يشفع أحد إلا بإذنه ورضاه عن المشفوع فيه، قال تعالى {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى}1. خامسا: ومن شبه هؤلاء أنهم يقولون: إن الأولياء والصالحين لهم مكانة عند الله، ونحن نسأل الله بجاههم ومكانتهم. والجواب: أن المؤمنين كلهم أولياء الله، ولكن الجزم لشخص معين أنه ولي لله يحتاج إلى دليل من الكتاب والسنة، ومن ثبت ولايته بالكتاب والسنة؛ لم يجز لنا الغلو فيه والتبرك به؛ لأن ذلك من وسائل الشرك، والله أمرنا بدعائه مباشرة؛ دون اتخاذ وسائط بيننا وبينه، ولأن هذا هو التعليل الذي علل به المشركون من قبل؛ أنهم اتخذوا هؤلاء شفعاء ووسائط بينهم وبين الله، يسألون الله بجاههم وقربهم؛ فأنكر عليهم ذلك. يان أنواع من الشرك الأكبر: الشرك نوعان: شرك أكبر وشرك أصغر، والشرك الأكبر ينافي التوحيد ويخرج من الملة، وله أنواع كثيرة سبق بيان بعضها بما يمارس حول الأضرحة، وهناك أنواع أخرا أخرى؛ منها: 1 - الشرك في الخوف: الخوف كما عرفه العلماء: توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة، وهو ثلاثة أقسام: -------------------------------- 1 سورة النجم، الآية: 26. ص -66- الأول: خوف السر، وهو أن يخاف من غير الله من وثن أو طاغوت أو ميت أو غائب من جن أو إنس أن يصيبه بما يكره. كما قال الله عن قوم هود عليه السلام؛ أنهم قالوا له: {إِنْ نَقُولُ إِلاّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ}، وقد خوف المشركون رسول الله محمدًا صلى الله عليه وسلم من أوثانهم؛ كما قال تعالى: {وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِه}1. وهذا الخوف من غير الله هو الواقع اليوم من عباد القبور وغيرها من الأوثان؛ يخافونها ويخوِّفون بها أهل التوحيد إذا أنكروا عبادتها وأمروا بإخلاص العبادة لله، وهذا النوع من الخوف من أهم أنواع العبادة، يجب إخلاصه لله وحده؛ قال تعالى:{فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}2، وقال تعالى:{فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ}3. وهذا الخوف من أعظم مقامات الدين وأجلها، فمن صرفه لغير الله؛ فقد أشرك بالله الشرك الأكبر، والعياذ بالله. الثاني من أنواع الخوف: أن يترك الإنسان ما يجب عليه خوفا من بعض الناس. فهذا محرم، وهو شرك أصغر، وهذا هو المذكور في قوله تعالى:{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}4. وهذا - أيضا - هو الخوف المذكور في الحديث الذي رواه ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "لا يحقر أحدكم نفسه. قالوا: يا رسول الله! كيف يحقر أحدنا نفسه؟ ، قال: يرى أمرًا لله عليه -------------------------------- 1 سورة الزمر، الآية: 36. 2 سورة آل عمران، الآية: 175. 3 سورة المائدة، الآية: 3. 4 سورة آل عمران، الايتان: 173 ـ 175. ص -67- فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله - عز وجل - له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس. فيقول الله - عز وجل -: فإياي كنت أحق أن تخشى". الثالث من أنواع الخوف: الخوف الطبيعي. وهو الخوف من عدو أو سبع أو غير ذلك. فهذا ليس بمذموم؛ كما قال تعالى في قصة موسى - عليه السلام -:{فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ}1. أما النوع الأول الذي هو خوف السر. فهو من أعظم أنواع العبادة؛ فيجب إخلاصه لله - عز وجل، وكذلك النوع الثاني؛ فهو من حقوق العبادة ومكمِّلاتها. ومعنى قوله تعالى:{إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ}2، أي: يخوفكم بأوليائه.{فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ} نهي من الله للمؤمنين أن يخافوا غيره، وأمر لهم أن يقصروا خوفهم عليه، فإذا أخلصوا الخوف وجميع أنواع العبادة؛ أعطاهم ما يريدون، وأمَّنهم مما يخافون؛ قال تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ}3. قال الإمام ابن القيم: "ومن كيد عدو الله أن يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه؛ لئلا يجاهدوهم ولا يأمروهم بمعروف ولا ينهوهم عن منكر، وأخبر تعالى أن هذا من كيد الشيطان وتخويفه، ونهانا أن نخافهم، فكلما قوي إيمان العبد؛ زال منه خوف أولياء الشيطان، وكلما ضعف إيمانه؛ قوي خوفه منهم. وقال تعالى:{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ}4. فأخبر سبحانه أن مساجد الله لا يعمرها إلا أهل الإيمان بالله واليوم -------------------------------- 1 سورة القصص، الآية: 21. 2 سورة آل عمران، الآية: 175. 3 سورة الزمر، الآية: 36. 4 سورة التوبة، الآية: 18. ص -68- الآخر الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا بجوارحهم، وأخلصوا له الخشية دون سواه؛ فأثبت لهم عمارة المساجد بعد أن نفاها عن المشركين؛ لأن عمارة المساجد لا تكون إلا بالطاعة والعمل الصالح، والمشرك وإن عمل؛ فعمله {كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً}1. أو {كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ}2، وما كان كذلك؛ فالعدم خير منه. فلا تكون المساجد عامرة عمرانا صحيحا إلا بالعمل الصالح، المؤسس على الإخلاص التوحيد والعقيدة الصحيحة الخالية من الشرك والبدع والخرافات، وليس عمارتها بالطين والزخرفة وفخامة البناء فقط، أو إشادتها على القبور؛ فقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك. وقوله تعالى:{وَلَمْ يَخْشَ إِلاّ اللَّهَ}: قال ابن عطية: يريد خشية التعظيم والعبادة والطاعة، ولا محالة أن الإنسان يخشى المحاذير الدنيوية، وقد كتب معاوية - رضي الله عنه - إلى أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - يطلب منها أن تكتب له كتابا توصيه فيه ولا تكثر عليه؛ فكتبت له عائشة - رضي الله عنها - ما نصه: إلى معاوية: سلام عليك، أما بعد؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من التمس رضى الله بسخط الناس؛ كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله؛ وكله الله إلى الناس"، والسلام. رواه أبو نعيم في (الحلية) ورواه ابن حبان في (صحيحه)؛ بلفظ: "من التمس رضى الله بسخط الناس؛ رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله؛ سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ". قال شيخ الإسلام ابن تسمية - رحمه الله -: "وكتبت عائشة إلى معاوية وروي أنها رفعته: "من أرضى الله بسخط الناس؛ كفاه مؤونة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله؛ لم يغنوا عنه من الله شيئا"، هذا اللفظ المرفوع، ولفظ ----------------------- 1 سورة النور، الآية: 39 2 سورة إبراهيم، الآية: 18. ص -69- الموقوف: "من أرضى الله بسخط الناس؛ رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله؛ عاد حامده من الناس له ذامّا"، وهذا من أعظم الفقه في الدين؛ فإن من أرضى الله بسخطهم؛ كان قد اتقاه، وكان عبده الصالح، والله يتولى الصالحين، والله كاف عبده،{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}1، والله يكفيه مؤونة الناس بلا ريب، وأما كون الناس كلهم يرضون عنه؛ فقد لا يحصل ذلك، ولكن يرضون عنه إذا سلموا من الأغراض، وإذا تبين لهم العاقبة. ومن أرضى الناس بسخط الله؛ لم يغنوا عنه من الله شيئا؛ كالظالم الذي يعض على يديه، وأما كون حامده ينقلب ذامّا؛ فهذا يقع كثيراً، ويحصل في العاقبة؛ فإن العاقبة للتقوى، ولا تحصل ابتداء عند أهوائهم" انتهى كلامه - رحمه الله - . ومن هذا الحديث برواياته يتبين أن الإنسان إذا كان يطلب بعمله إرضاء الله بماس يسخط الناس؛ حصل على مصلحتين عظيمتين: رضى الله تعالى ورضى الناس. ومن كان بالعكس يطلب بعمله إرضاء الناس بما يسخط الله - عز وجل، حصل له مضرتان: سخط الله وسخط الناس؛ فدل على أن إرضاء الله تعالى يجمع الخير كله، وأن إرضاء الناس بما يسخط الله يجمع الشر كله، نسأل الله العافية والسلامة. هذا ويجب أن نعلم أن الخوف من الله - سبحانه - يجب أن يكون مقرونا بالرجاء والمحبة؛ بحيث لا يكون باعثا على القنوط من رحمة الله - عز وجل، فالمؤمن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء؛ بحيث لا يذهب مع الخوف فقط حتى يقنط من رحمة الله، ولا يذهب مع الرجاء فقط حتى يأمن من مكر الله؛ لأن القنوط من رحمة الله والأمن من مكر الله ينافيان التوحيد؛ قال تعالى:{أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}2. وقال تعالى:{إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}3. -------------------------------- 1 سورة الطلاق، الآية: 2. 2 سورة الأعراف، الآية: 99. 3 سورة يوسف، الآية: 87 ص -70- وقال تعالى:{وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاّ الضَّالُّونَ}1. قال إسماعيل بن رافع: "من الأمن من مكر الله إقامة العبد على الذنب يتمنى على الله المغفرة". وقال العلماء: القنوط: استبعاد الفرج واليأس منه، وهو يقابل الأمن من مكر الله، وكلاهما ذنب عظيم. فلا يجوز للمؤمن أن يعتمد على الخوف فقط حتى يقنط من رحمة الله ولا يعتمد على الرجاء فقط حتى يأمن من عذاب الله، بل يكون خائفا راجيا؛ يخاف ذنوبه، ويعمل بطاعة الله، ويرجو رحمته؛ كما قال تعالى عن أنبيائه:{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}2، وقال:{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً}3. والخوف والرجاء إذا اجتمعتا؛ دفعا العبد إلى العمل وفعل الأسباب النافعة؛ فإنه مع الرجاء يعمل الطاعات رجاء ثوابها، ومع الخوف يترك المعاصي خوف عقابها، أما إذا يئس من رحمة الله؛ فإنه يتوقف عن العمل الصالح، وإذا أمن من عذاب الله وعقوبته؛ فإنه يندفع إلى فعل المعاصي. قال بعض العلماء: من عبد الله بالحب وحده؛ فهو صوفي، ومن عبده بالخوف وحده؛ فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده؛ فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن؛ كما وصف الله بذلك خيرة خلقه؛ حيث يقول - سبحانه -:{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ}4. وقد وصف الله الذين أهملوا جانب الخوف واندفعوا في المعاصي وأمنوا من العقوبة بأنهم الخاسرون؛ فقال تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ----------------------- 1 سورة الحجر، الآية: 56. 2 سورة الأنبياء، الآية: 90. 3 سورة الاسراء، الآية: 57. 4 سورة الاسراء، الآية: 57. ص -71- بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}1. ومعنى الآيات أن الله لما ذكر حال أهل القرى المكذبين للرسل المتمادين في الكفر والمعاصي؛ ذكر أن الذي حملهم على ذلك هو الأمن من مكر الله وعدم الخوف منه، ومكر الله هو أنه إذا عصاه العبد وأغضبه أنعم عليه بأشياء يظن العبد أنها من رضى الله عنه وهي استدراج له؛ فهؤلاء الكفرة أمنوا مكر الله بهم لمَّا استدرجهم بالسراء والنعم، وعصوا رسلهم، وتمادوا في المعاصي، حتى أهلكهم الله، وحذر من جاء بعدهم أن يفعل مثل فعلهم فيصيبه ما أصابهم؛ فقال - سبحانه -:{أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ}2. قال بعض العلماء: خوف العبد ينشأ من أمور هي: أولاً: معرفته بالجناية وقبحها. ثانيا: تصديقه بالوعيد، وأن الله رتب على المعصية عقوبتها. ثالثا: كونه لا يعلم؛ لعله يمنع من التوبة ويحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب. وبهذه الثلاثة يتم له الخوف قبل الذنب وبعده، ويكون خوفه أشد. وكان الأنبياء عليهم السلام لا ينقطع أملهم بالله أبداً، ولا ييأسون من رحمة الله في جميع الأحوال، مهما اشتد الخطب وضعفت الأسباب. فهذا خليل الله إبراهيم عليه السلام لما بشرته الملائكة بالولد مع كبر سنه وحال زوجه التي يستبعد معها حصول الولد؛ قال عند ذلك: {وَمَنْ يَقْنَطُ -------------------------------- 1 سورة الأعراف، الآيتان: 97 ـ 99. 2 سورة الأعراف، الآية: 100. ص -72- مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاّ الضَّالُّونَ}1، لأنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك وأعظم، لكنه قال للملائكة: {أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ}2، قال ذلك على وجه التعجب والتفكر في عظيم قدرة الله ورحمته. وهذا نبي الله يعقوب عليه السلام، لما أشتد به الأمر، وتأزم الحال بفراق بنيه؛ عظم رجاؤه بالله وطمعه برحمته، وقال لبنيه الحاضرين عنده: {يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}3، وقال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً}4. وهذا نبيا محمد صلى الله عليه وسلم قال الله عنه: {إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}5، فعظم رجاؤه عند الشدة، ويقول: "واعلم أن الفرج مع الكرب". والله - سبحانه - ينهى عباده الذي كثرت ذنوبهم وعظمت جرائمهم أن يحملهم ذلك على القنوط من رحمته وترك التوبة منها؛ قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ}6، فنهى - سبحانه - عباده أن تحملهم كثرة ذنوبهم على ترك التوبة واليأس من المغفرة. وقد عد النبي صلى الله عليه وسلم اليأس من روح الله من الكبائر؛ فعن ابن عباس - رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر؟ فقال: "الإشراك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله". وعن ابن مسعود؛ قال: "أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح -------------------------------- 1 سورة الحجر، الآية: 56. 2 سورة الحجر، الآية: 54. 3 سورة يوسف، الآية: 87. 4 سورة يوسف، الآية: 83. 5 سورة التوبة، الآية: 40. 6 سورة الزمر، الآيتان: 53 ـ 54. ص -73- الله"؛ لأن القنوط من رحمة الله سوء ظن بالله، وجهل بسعة رحمته ومغفرته، والأمن من مكر الله جهل بالله وبقدرتهن وثقة بالنفس، وإعجاب بها، وفي ذلك تنبيه على أن يكون العبد دائما بين الخوف والرجاء، فإذا خاف؛ فلا يقنط ولا ييأس، بل يرجو رحمة الله، وإذا رجا؛ فلا يتمادى به الرجاء حتى يأمن العقوبة. وكان بعض السلف يستحبون للعبد أن يقوي في حال الصحة جانب الخوف، وفي حالة المرض وعند الموت جانب الرجاء. فتوازن القلب بين الخوف والرجاء يدفع على العمل الصالح والبعد عن المعاصي والتوبة من الذنوب، أما إذا اختل توازن القلب، فمال إلى جانب واحد؛ فإن هذا مما يعطل حركة العمل، ويعرقل سبيل التوبة، ويوقع الهلاك. وفيما قصه الله عن الأمم السابقة التي عطلت جانب الخوف فحل بها عقاب الله خير مذكر لأهل الإيمان. فها هم قوم هود يقولون له:{سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ إِنْ هَذَا إِلاّ خُلُقُ الأوَّلِينَ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ}1. والخوف والرجاء من أعظم أنواع العبادات، يجب إخلاصهما لله - عز وجل، والإخلال بهما إخلال بالتوحيد وإفساد للعقيدة. 2- الشرك في المحبة: قلنا فيما سبق: إن الخوف من الله تعالى لا بد أن يكون مقرونا بمحبته سبحانه؛ لأن تعبده بالخوف فقط هو أصل دين الخوارج؛ فالمحبة هي أصل دين الإسلام الذي تدور عليه رحاه؛ فبكمال محبة الله يكمل دين الإسلام، وبنقصها ينقص توحيد الإنسان. -------------------------------- 1 سورة الشعراء، الآيات: 136 ـ 139. ص -74- والمراد بالمحبة هنا محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع وكمال الطاعة وإيثار المحبوب على غيره؛ فهذه المحبة خالصة لله، لا يجوز أن يشرك معه فيها أحد؛ لأن المحبة قسمان: محبة مختصة، وهي محبة العبودية التي تستلزم كمال الذل والطاعة للمحبوب، وهذه خاصة بالله - سبحانه تعالى، والقسم الثاني محبة مشتركة، وهي ثلاثة أنواع: النوع الأول: محبة طبيعية؛ كمحبة الجائع للطعام. النوع الثاني: محبة إشفاق؛ كمحبة الوالد لولده. النوع الثالث: محبة أنس وألف؛ كمحبة الشريك لشريكه والصديق لصديقه. وهذه المحبة بأقسامها الثلاثة لا تستلزم التعظيم والذل، ولا يؤاخذ أحدبها، ولا تزاحم المحبة المختصة؛ فلا يكون وجودها شركا، لكن؛ لا بد أن تكون المحبة المختصة مقدمة عليها. والمحبة المختصة - وهي محبة العبودية - هي المذكورة في قوله تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ}1. قال الإمام ابن القيم رحمه الله على هذه الآية: "أخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئا كما يحب الله تعالى؛ فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا في الحب والتعظيم". وقال ابن كثير رحمه الله: "يذكر تعالى حال المشركين في الدنيا وما لهم في الآخرة من العذاب والنكال؛ حيث جعلوا لله {أَنْدَاداً}؛ أي أمثالاً ونظراء،{يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ}؛ أي: يساوونهم بالله في المحبة والتعظيم". -------------------------------- 1 سورة البقرة، الآية: 165. ص -75- وهذا الذي قاله ابن كثير رحمه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ كما حكى الله هذه التسوية عنهم في قوله: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}1، وقوله تعالى:{ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}2. وقوله تعالى:{وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ}3، أي: أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لله، وقيل: أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم. فدلت الآية على أن من أحب شيئا كحب الله؛ فقد اتخذه ندّاً لله. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -: "وفيه أن من اتخذ ندّاً تساوى محبته محبة الله؛ فهو الشرك الأكبر". وقلنا قريبا: إن محبة الله التي هي محبة العبودية، يجب أن تقدم على المحبة التي ليست عبودية، وهي المحبة المشتركة؛ كمحبة الآباء والأولاد والأزواج والأموال؛ لأن الله توعد من قدَّم هذه المحبة على محبة الله؛ قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}4، فتوعد سبحانه من قدم هذه المحبوبات الثمان على محبة الله ورسوله والأعمال التي يحبها، ولم يتوعد على مجرد حب هذه الأشياء؛ لأن هذا شيء جُبل عليه الإنسان ليس اختياريّا، وإنما توعد من قدم محبتها على محبة الله ورسوله ومحبة ما يحبه الله ورسوله؛ فلا بد من إيثار ما أحبه الله من عبده وأراده على ما يحبه العبد ويريده؛ فمحبة الله لها علامات تدل عليها: منها: أن من أحب الله تعالى: فإنه يقدم ما يحبه الله من الأعمال على -------------------------------- 1 سورة الشعراء، الآيتان: 97 ـ 98. 2 سورة الأنعام، الآية: 3. 3 سورة البقرة، الآية: 165. 4 سورة التوبة، الآية: 24. ص -76- ما تحبه نفسه من الشهوات والملذات والأموال والأولاد والأوطان. ومنها: أن من أحب الله - تعالى، فإنه يتبع رسوله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، فيفعل ما أمر به، ويترك ما هي عنه؛ قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} قال بعض السلف: "ادعى قوم محبة الله، فأنزل الله تعالى آية المحبة:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}؛ ففي الآية بيان دليل محبة الله وثمرتها وفائدتها؛ فدليلها وعلامتها: اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وفائدتها وثمرتها: نيل محبة الله للعبد ومغفرته لذنوبه. ومن علامات صدق محبة العبد لله ما ذكره الله بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ}1، فذكر في هذه الآية الكريمة لمحبة الله أربع علامات: العلامة الأولى: أن المحبين لله يكونون أذلة على المؤمنين؛ بمعنى أنهم يشفقون عليهم ويرحمونهم ويعطفون عليهم؛ قال عطاء رحمه الله: "يكونون للمؤمنين كالوالد لولده". العلامة الثانية: أنهم يكونون أعزة على الكافرين؛ أي: يظهرون لهم الغلظة والشدة والترفع عليهم، ولا يظهرون لهم الخضوع والضعف. العلامة الثالثة: أنهم يجاهدون في سبيل الله بالنفس واليد والمال واللسان؛ لإعزاز دين الله أعدائه بكل وسيلة. العلامة الرابعة: أنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم؛ فلا يؤثر فيهم ازدراء -------------------------------- 1 سورة المائدة، الآية: 54. ص -77- الناس لهم ولومهم إياهم على ما يبذلون من أنفسهم وأموالهم لنصرة الحق؛ لقناعتهم بصحة ما هم عليه، وقوة إيمانهم ويقينهم؛ فكل محب يؤثر فيه اللوم فيضعفه من مناصرة حبيبه فليس بمحب على الحقيقة. والأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى عشرة أشياء، ذكرها ابن القيم - رحمه الله، وهي: أحدهما: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به. الثاني: التقرب إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض. الثالث: دوام ذكر الله على حال باللسان والقلب والعمل. الرابع: إيثار ما يحبه الله على ما يحبه العبد عند تزاحم المحبتين. الخامس: التأمل في أسماء الله وصفاته وما تدل عليه من الكمال والجلال، وما لها من الآثار الحميدة. السادس: التأمل في نعم الله الظاهرة والباطنة ومشاهدة بره وإحسانه وإنعامه على عباده. السابع: انكسار القلب بين يدي الله وافتقاره إليه. الثامن: الخلوة بالله وقت النزول الإلهي حين يبقى ثلث الليل الآخر وتلاوة القرآن في هذا الوقت، وختم ذلك بالاستغفار والتوبة. التاسع: مجالسة أهل الخير والصلاح المحبين لله - عز وجل - والاستفادة من كلامهم. العاشر: الابتعاد عن كل سبب يحول بين القلب وبين الله من الشواغل. ومن توابع محبة الله ولوازمها: محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما أخرج البخاري ص -78- ومسلم عن أنس - رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين"؛ أي: لا يؤمن الإيمان الكامل إلا من كان الرسول أحب إليه من نفسه وأقرب الناس إليه. ومحبة الرسول تابعة لمحبة الله، ملازمة لها، ومن أحب الرسول صلى الله عليه وسلم، اتبعه، فمن ادعى محبته عليه الصلاة والسلام، وهو يخالفه فيما جاء به، فيطيع غيره من المنحرفين والمبتدعين والمخرفين، فيحيي البدع ويترك السنن؛ فهو كاذب في دعواه أنه يحب الرسول صلى الله عليه وسلم، أن المحب يطيع محبوبه. فالذين يحدثون البدع المحالفة لسنة الرسول بإحياء الموالد وغيرها من البدع، أو يفعلون ما هو أعظم من ذلك من الغلو في النبي "ودعائه من دون الله وطلب المدد منه والاستغاثة به، ومع هذا يدعون أنهم يحبونه؛ فهذا من أعظم الكذب، وهم كالذين قال الله فيهم: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ}1؛ لأن الرسول "نهى عن هذه الأمور، وقد خالفوا نهيه، وارتكبوا معصيته، وهم يدعون أنهم يحبونه؛ فكذبوا، نسأل الله العافية. 3 - الشرك في التوكل: التوكل في اللغة معناه: الاعتماد والتفويض، وهو من عمل القلب، يقال: توكل في الأمر: إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان: إذا اعتمدت عليه. والتوكل على الله من أعظم أنواع العبادة التي يجب إخلاصها لله؛ قال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}2. والتوكل على غير الله تعالى أقسام: -------------------------------- 1 سورة النور، الآية: 47. 2 سورة المائدة، الآية: 2. ص -79- أحدها: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله؛ كالتوكل على الأموات والغائبين ونحوهم من الطواغيت في تحقيق المطالب من النصر والحفظ والرزق أو الشفاعة؛ فهذا شرك أكبر. الثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة؛ كمن يتوكل على سلطان أو أمير أو أي شخص حي قادر فيما أقدره الله من عطاء أو دفع أذى ونحو ذلك؛ فهذا شرك اصغر؛ لأنه اعتماد على الشخص. الثالث: التوكل الذي هو إنابة الإنسان من يقوم بعمل عنه مما يقدر عليه؛ كبيع وشراء؛ فهذا جائز، ولكن ليس له أن يعتمد عليه في حصول ما وكله فيه، بل يتوكل على الله في تيسير أموره التي يطلبها بنفسه أو نائبه؛ أن توكيل الشخص في تحصيل الأمور الجائزة من جملة الأسباب، والأسباب لا يعتمد عليها، وإنما يعتمد على الله - سبحانه، الذي هو مسبب الأسباب وموحد السبب والمسبِّب. والتوكل على الله في دفع المضار وتحصيل الأرزاق وما لا يقدر عليه إلا هو من أعظم أنواع العبادة، والتوكل على غيره في ذلك شرك أكبر؛ قال الله تعالى:{وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}1، فأمر - سبحانه - بالتوكل عليه وحده؛ أن تقديم المعمول يفيد الحصر، وجعل التوكل عليه شرطا في الإيمان؛ كما جعله شرطا في الإسلام في قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ}2، فدل على انتفاء الإيمان والإسلام عمن لم يتوكل على الله أو توكل على غيره فيما لا يقدر عليه إلا هو من أصحاب القبور والأضرحة وسائر الأوثان. فالتوكل على الله فريضة يجب إخلاصها لله، وهو أجمع أنواع العبادة، وأعلى مقامات التوحيد وأعظمها وأجلها؛ لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة؛ -------------------------------- 1 سورة المائدة، الآية: 1. 2 سورة يونس، الآية: 84. ص -80- فإنه إذا اعتمد على الله في جميع أموره الدينية والدنيوية دون كل ما سواه؛ صح إخلاصه ومعاملته مع الله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "وما رجا أحدُ مخلوقا ولا توكل عليه؛ إلا خاب ظنه فيه..." انتهى. والتوكل على الله من أعظم منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}؛ فلا يحصل كمال التوحيد بأنواعه الثلاثة إلا بكمال التوكل على الله - سبحانه، قال الله تعالى:{رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً}1، والآيات في الأمر به كثيرة جدّا، وقال تعالى:{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِه}2. قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - على قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}3:"فجعل التوكل على الله شرطا في الإيمان، فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه". وكلما قوي إيمان العبد؛ كان توكله أقوى، وإذا ضعف الإيمان، ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفا؛ كان دليلاً على ضعف الإيمان ولا بد. والله تعالى في مواضع من كتابه يجمع بين التوكل والعبادة، وبين التوكل والإيمان، وبين التوكل والتقوى، وبين التوكل والإسلام، وبين التوكل والهداية؛ فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان لجميع أعمال الإسلام، وأن منزلته منها كمنزلة الرأس من الجسد؛ فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن؛ فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل. وقد جعل الله التوكل عليه من أبرز صفات المؤمنين؛ فقال - سبحانه و تعالى -: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}4، أي: يعتمدون عليه -------------------------------- 1 سورة المزمل، الآية: 9. 2 سورة الطلاق، الآية: 3. 3 سورة المائدة، الآية: 23. 4 سورة الأنفال، الآية: 2. ص -81- بقلوبهم؛ فلا يرجون سواه، وفي الآية وصف المؤمنين حقا بثلاثة مقامات من مقامات الإحسان، وهي: الخوف، وزيادة الإيمان، والتوكل على الله وحده. والتوكل على الله - سبحانه - لا ينافي السعي في الأسباب والأخذ بها؛ فإن الله - سبحانه تعالى - قدَّر مقدورات مربوطة بأسباب، وقد أمر الله تبارك تعالى بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل؛ فالأخذ بالأسباب طاعة لله؛ لأن الله أمر بذلك، وهو من عمل الجوارح، والتوكل من عمل القلب، وهو إيمان بالله قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ}1، وقال تعالى:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}2قال تعالى:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}3. وقال بعض العلماء: من طعن الحركة "يعني: في السعي والكسب والأخذ بالأسباب"؛ فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل؛ فقد طعن في الإيمان. قال الإمام ابن رجب - رحمه الله -: "والأعمال التي يعملها العبد ثلاثة أقسام: أحدها: الطاعات التي أمر الله بها عباده وجعلها سببا للنجاة من النار ودخول الجنة؛ فهذا لا بد من فعله مع التوكل على الله فيه والاستعانة به عليه؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فمن قصر في شيء من ذلك؛ استحق في الدنيا والآخرة قدرًا وشرعا. قال يوسف بن أسباط: "يقال: اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل رجل لا يصيبه إلا ما كتب له". والثاني: ما أجرى الله العادة به في الدنيا وأمر عباده بتعاطيه؛ كالأكل عند الجوع، والشرب عند العطش، والاستظلال من الحر، والتدفئة من البرد... -------------------------------- 1 سورة النساء، الآية: 71. 2 سورة الأنفال، الآية: 60. 3 سورة الجمعة، الآية: 10. ص -82- ونحو ذلك؛ فهذا - أيضا - واجب على العبد تعاطي أسبابه، ومن قصر فيه حتى تضرر بتركه مع القدرة على استعماله؛ فهو مفرط يستحق العقوبة، لكن الله - سبحانه و تعالى - يقوي بعض عباده من ذلك على ما لا يقوي عليه غيره، فإذا عمل بمقتضى قوته التي اختص بها عن غيره؛ فلا حرج عليه، ولهذا؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم يواصل في صيامه، وينهى عن ذلك أصحابه، ويقول لهم: "إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى"، وقد كان من السلف لهم من القوة على ترك الطعام والشراب ما ليس لغيرهم، فمن كان له قوة، فعمل بمقتضى قوته، ولم يضعفه ذلك عن طاعة الله؛ فلا حرج عليه، من كلف نفسه حتى أضعفها عن بعض الواجبات؛ فإنه ينكر عليه ذلك. القسم الثالث: ما أجرى الله العادة به في الدنيا في الأعم الأغلب....". إلى أن قال: "وقد روي عن ابن عباس؛ قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن متوكلون، فيحجون، فيأتون مكة ويسألون الناس، فأنزل الله هذه الآية:{وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}1. وقد سئل أحمد - رحمه الله - عمن يقعد ولا يكتسب ويقول: توكلت على الله؟ فقال: ينبغي للناس كلهم يتوكلون على الله، ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب، قد كان الأنبياء يُؤَجِّرونَ أنفسهم، وكان النبي "يؤجر نفسه، وأبو بكر، وعمر، ولم يقولوا: نقعد حتى يرزقنا الله. وقال الله تعالى:{فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}2، وخرج الترمذي من حديث أنس؛ قال: "قال رجل: يا رسول الله! أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال: أعقلها وتوكل"، وهذا كله إشارة إلى أن التوكل لا ينافي الإتيان بالأسباب المباحة، بل قد يكون جمعها أفضل. -------------------------------- 1 سورة البقرة، الآية: 197. 2 سورة الجمعة، الآية: 10. ص -83- وقد لقي عمر بن الخطاب من أهل اليمن، فقال: من أنتم؟ قالوا نحن المتوكلون. قال: "بل أنتم المتأكلون، إنما المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض ويتوكل على الله". 4- الشرك في الطاعة: اعلموا وفقني الله وإياكم أن من الشرك طاعة العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله: قال الله تعالى:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}1. وفي الحديث الصحيح: "أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية على عدي بن حاتم الطائي، فقال: يا رسول الله! لسنا نعبدهم. قال: أليس يحلون لكم ما حرم الله؛ فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله؛ فتحرمونه؟. قال: بلى. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فتلك عبادتهم". رواه الترمذي وغيره. وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم فيه اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله بأنه ليس معناه الركوع والسجود لهم، وإنما معناه طاعتهم في تغير أحكام الله وتبديل شريعته؛ حيث نصبوا أنفسهم شركاء لله في التشريع، فمن أطاعهم في ذلك؛ فقد اتخذهم شركاء لله في التشريع والتحليل والتحريم، وهذا من الشرك الأكبر؛ لقوله تعالى في الآية:{وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}2. ومثل هذه الآية قوله تعالى:{وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ ----------------------- 1 سورة التوبة، الآية: 31. 2 سورة التوبة، الآية: 31. ص -84- إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}1. ومن هذا طاعة الحكام والرؤساء في تحكيم القوانين الوضعية المخالفة للأحكام الشرعية في تحليل الحرام؛ كإباحة الربا والزنا وشرب الخمر، ومساواة المرأة للرجل في الميراث، وإباحة السفور والاختلاط، أو تحريم الحلال؛ كمنع تعدد الزوجات... وما أشبه ذلك من تغيير أحكام الله واستبدالها بالقوانين الشيطانية؛ فمن وافقهم على ذلك ورضي به واستحسنه؛ فهو مشرك كافر والعياذ بالله. ومن ذلك تقليد الفقهاء بإتباع أقوالهم المخالفة للأدلة إذا كانت توافق أهواء بعض الناس وما يشتهونه؛ كما يفعل بعض أنصاف المتعلمين من تلمس الرخص، والواجب أن يؤخذ من قول المجتهد ما وافق الدليل، ويطرح ما خالفه. قال الأئمة - رحمهم الله -: "كل يؤخذ من قوله ويترك؛ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال الإمام أبو حنيفة - رحمه الله -: "إذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن التابعين؛ فهم رجال ونحن رجال"؛ يريد - رحمه الله - أمثاله وأمثال الأئمة الكبار. وقد استغل هذه الكلمة بعض أنصاف المتعلمين، الذين جعلوا أنفسهم في مصاف الأئمة المجتهدين، وهم لا يزالون جهالاً، ولا شك أن الإمام أبا حنيفة لا يقصد مساواة العلماء بالجهال. وقال ملك - رحمه الله -: "كلنا راُّد ومردود عليه؛ إلا صاحب هذا القبر..."؛ يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الإمام الشافعي - رحمه الله -: "إذا صَّح الحديث؛ فهو مذهبي". وقال: "إذا خالف قولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاضربوا بقولي عرض الحائط". ----------------------- 1 سورة الأنعام، الآية: 121. ص -85- وقال الإمام أحمد - رحمه الله -: "عجب لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}1". ويقول عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -: "يوشك أن ينزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟!". قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن - رحمه الله - في "فتح المجيد": "فالواجب على كل مكلف إذا بلغه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله، وفهم معنى ذلك: أن ينتهي إليه، ويعمل به، وإن خالفه من خالفه...". إلى أن قال: "فيجب على من نصح نفسه إذا قرأ كتب العلماء ونظر فيها وعرف أقوالهم أن يعرضها على ما في الكتاب والسنة، فإن كل مجتهد من العلماء ومن تبعه وانتسب إليه يذكر دليله، والحق في المسألة واحد، والأئمة مثابون على اجتهادهم؛ فالمنصف يجعل النظر في كلامهم وتأمله طريقا إلى معرفة المسائل واستحضارها وتمييز الصواب من الخطأ بالأدلة التي يذكرها المستدلون، ويعرف بذلك من هو أسعد بالدليل من العلماء فيتبعه". وقال رحمه الله على قوله تعالى:{وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}2: "وهذا قد وقع فيه كثير من الناس مع من قلدوهم؛ لعدم اعتبارهم الدليل إذا خالف المقلَّد، وهو من الشرك3، ومنهم من يغلو في ذلك، ويعتقد أن الأخذ بالدليل والحالة هذه يكره أو يحرم؛ فعظمت الفتنة، ويقول: هو أعلم منا بالأدلة..." انتهى. وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -: "المسألة الخامسة: تغير الأحوال إلى هذه الغاية، حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل -------------------------------- 1 سورة النور، الآية: 63. 2 سورة الأنعام، الآية: 121. 3 أي: من الشرك الأكبر. ص -86- الأعمال، وتسمى الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من دون الله مَن ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين..." انتهى. ومن اتخاذ الأخبار والرهبان أربابا طاعة علماء الضلال فيما أحدثوه في دين الله من البدع والخرافات والضلالات؛ كإحياء أعياد الموالد، والطرق الصوفية، والتوسل بالأموات، ودعائهم من دون الله؛ حتى إن هؤلاء العلماء الضالين شرعوا ما لم يأذن به الله، وقلدهم فيه الجهال السذج، وعدوه هو الدين، ومن أنكره ودعا إلى اتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، عدوه خارجا من الدين، أو أنه يبغض العلماء والصالحين؛ فعاد المعروف منكرًا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، حتى شب على ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وهذا من غربة الدين، وقلة الدعاة المصلحين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وإذا كان لا يجوز اتباع أئمة الفقه المجتهدين فيما أخطؤوا فيه من الاجتهاد مع أنهم معذورون ومأجورون فيما أخطؤوا فيه من غير قصد؛ إلا أنه يحرم على الخطأ؛ فكيف لا يحرم تقليد هؤلاء المضللين والدجالين، الذين أخطؤوا فيما لا يجوز الاجتهاد فيه، وهو أمر العقيدة؛ لأن العقيدة توقيفية، تتوقف على النصوص، ولكن الأمر كما قال تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ}1. وإلى جانب هؤلاء المغرقين في التقليد الأعمى في الأصول والفروع، إلى جانبهم جماعة أخرى على النقيض منهم، ترى وجوب الاجتهاد على كل أحد، ولو كان جاهلاً لا يحسن قراءة القرآن ولا يعرف سيئا عن العلم، ويحرمون 1 سورة الروم، الآيتان: 58 ـ 60. ص -87- النظر في كتب الفقه، ويريدون من الجهال أن يستنبطوا الأحكام من الكتاب والسنة، وهذا تطرف شنيع، وخطر هؤلاء على المسلمين لا يقل عن خطر الفريق الأول، إن لم يزد عليه، وخير الأمور الوسط والاعتدال؛ بأن لا نقلد الفقهاء تقليدًا أعمى، ولا نزهد بعلمهم نترك أقوالهم الموافقة للكتاب والسنة، بل ننتفع بها، ونستعين بها على فهم الكتاب والسنة؛ لأنها ثروة علمية، ورصيد فقهي عظيم، يؤخذ منه ما وافق الدليل، ويترك ما خالف الدليل؛ كما كان السلف الصالح يفعلون ذلك، خصوصا في زمان الذي تقاصرت فيه الهمم وفشا فيه الجهل؛ فالواجب الاعتدال بلا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا تساهل، ونسأل الله - عز وجل - أن يهدي ضال المسلمين، ويثبت أئمتهم وقادتهم على الحق؛ إنه سميع مجيب. وكما لا يجوز طاعة العلماء في تحليل الحرام وتحريم الحلال؛ فكذلك لا تجوز طاعة الأمراء والرؤساء في الحكم بين الناس بغير الشريعة الإسلامية؛ لأنه يجب التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله في جميع المنازعات والخصومات وشؤون الحياة؛ لأن هذا هو مقتضى العبودية والتوحيد؛ لأن التشريع حق لله وحده؛ كما قال تعالى:{أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ}1، أي: هو الحكم وله الحكم، وقال تعالى:{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}2، وقال تعالى:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}3. فالتحاكم إلى شرع الله ليس لطلب العدل فقط، وإنما هو في الدرجة الأولى تعبُّد لله، وحق لله وحده، وعقيدة، فمن احتكم إلى غير شرع الله من سائر الأنظمة والقوانين البشرية؛ فقد اتخذ واضعي تلك القوانين والحاكمين بها شركاء لله في تشريعه؛ قال الله تعالى:{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه}4، وقال تعالى:{وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ -------------------------------- 1 سورة الأعراف، الآية: 54. 2 سورة الشورى، الآية: 10. 3 سورة النساء، الآية: 59. 4 سورة الشورى، الآية: 21. ص -88- إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}1. وقد نفى الله الإيمان عمن تحاكم إلى غير شرعه؛ قال تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} إلى قوله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}2. فمن دعا إلى تحكيم القوانين البشرية؛ فقد جعل لله شريكا في الطاعة والتشريع، ومن حكم بغير ما أنزل الله؛ يرى أنه أحسن أو مساو لما أنزل الله وشرعه، أو أنه يجوز الحكم بهذا؛ فهو كافر بالله، وإن زعم أنه مؤمن؛ لأن الله أنكر على من يريد التحاكم إلى غير شرعه، وكذبهم في زعمهم الإيمان؛ لأن قوله:{يَزْعُمُونَ}: متضمن لنفي إيمانهم؛ لأن هذه الكلمة تقال غالبا لمن يدعي دعوى هو فيها كاذب، ولأن تحكيم القوانين تحكيم للطاغوت، والله قد أمر بالكفر بالطاغوت، وجعل الكفر بالطاغوت ركن التوحيد؛ كما قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى}3، فمن حكم القوانين؛ لم يكن موحدًا؛ لأنه اتخذ لله شريكا في التشريع والطاعة، ولم يكفر بالطاغوت الذي أمر أن يكفر به، وأطاع الشيطان؛ كما قال تعالى:{وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً}4 وقد أخبر الله عن المنافقين أنهم حينما يدعون إلى التحاكم إلى شرع الله يأبون ويعرضون؛ فقال - سبحانه -:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً}5، كما أخبر أنهم يرون الفساد صلاحا؛ لانتكاس فطرهم، وفساد قلوبهم؛ فقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ -------------------------------- سورة الأنعام، الآية: 121. 2 سورة النساء، الآيتات: 60 ـ 65. 3 سورة البقرة، الآية: 256. 4 سورة النساء، الآية: 60. 5 سورة النساء، الآية: 61. ص -89- الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ}1، فالتحاكم إلى غير الله من أعمال المنافقين، وهو من أعظم الفساد في الأرض. قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - على هذه الآية: "قال أكثر المفسرين: ولا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى طاعة غير الله بعد إصلاح الله لها ببعثة الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله؛ فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره بالشرك ومخالفة أمره؛ فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره وطاع متبع غير الرسول صلى الله عليه وسلم هو أعظم فساد في الأرض، ولا صلاح لها ولأهلها إلا بأن يكون الله وحده هو المعبود المطاع، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والإتباع للرسول ليس إلا، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته؛ فلا سمع ولا طاعة، ومن تدبر أحوال العالم؛ وجد كل صلاح في الأرض؛ فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك؛ فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله". وقد سمى الله كل حكم يخالف حكمه بأنه حكم الجاهلية؛ قال تعالى:{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}2. قال ابن كثير - رحمه الله -: "ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى، المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الجهالات والضلالات، وكما تحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن جنكيز خان، الذي وضع لهم "الياسق"، وهو عبارة عن -------------------------------- 1 سورة البقرة، الآيتان: 11 ـ 12. 2 سورة المائدة، الآية: 50. ص -90- كتاب أحكام اقتبسها من شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها عن مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا، يقدمونها على الحكم بالكتاب والسنة، فمن فعل ذلك؛ فهو كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله؛ فلا يحكم بسواه في قليل أو كثير..." انتهى كلامه - رحمه الله -. ومثل القانون الذي ذكره عن التتار وحكم بكفر من جعله بديلاً من الشريعة الإسلامية القوانين الوضعية التي جعلت اليوم في كثير من الدول هي مصادر الأحكام وألغيت من أجلها الشريعة الإسلامية؛ إلا فيما يسمونه بالأحوال الشخصية. والدليل على كفر من فعل ذلك آيات كثيرة: قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}1، وقوله:{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}2، وقوله تعالى:{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}3. وكما قلنا قريبا: إنه يجب تحكيم الشريعة عقيدة ودينا يدان الله به، لا من أجل طلب العدالة فقط. هذا؛ ولا بد للعبد من قبول حكم الله، سواء كان له أم عليه، وسواء وافق هواه أم لا؛ قال تعالى:{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}4، وقال تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}5، وقال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ -------------------------------- 1سورة المائدة، الآية: 44. 2 سورة النساء، الآية: 65. 3 سورة البقرة، الآية: 85. 4 سورة النساء، الآية: 65. 5 سورة الأحزاب، الآية: 36. ص -91- فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ}1. وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به". قال ابن رجب - رحمه الله -: "معنى الحديث أن الإنسان لا يكون مؤمنا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته محته تابعة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي وغيرها؛ فيحب ما أمر به، ويكره ما نهى عنه، وقد ورد القرآن بمثل هذا المعنى في غير موضع، وذم سبحانه من كره ما أحبه الله أو أحب ما كرهه الله؛ كما قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}2...". إلى أن قال: "وصف المشركين بإتباع الهوى في مواضع من كتابه؛ فقال تعالى:{فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ}3. وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع، ولهذا سمي أهلها أهل الأهواء، وكذلك المعاصي إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع، ولهذا سمّي أهلها أهل الأهواء، وكذلك المعاصي إنما تنشأ من تقديم الهوى على محبة الله ومحبة ما يحبه، وكذلك حب الأشخاص الواجب فيه أن يكون تبعا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فيجب على المؤمن محبة من يحبه الله من الملائكة والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عموما..." انتهى كلامه رحمه الله. أمور أخرى تنافي التوحيد: هذا؛ وهناك أشياء تنافي التوحيد، وتقتضي الردة عن دين الإسلام؛ منها سوء الظن بالله، ومنها الاستهزاء بشيء فيه الله عز وجل: -------------------------------- 1 سورة القصص، الآية: 50. 2 سورة محمد، الآية: 28. 3 سورة القصص، الآية: 50. ص -92- 1 - سوء الظن بالله: فسوء الظن بالله خطير؛ لأن حسن الظن بالله من واجبات التوحيد، وسوء الظن به ينافي التوحيد. وقد وصف الله المنافقين بأنهم يظنون به غير الحق؛ فقال تعالى:{ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}1، وأخبر عنهم في الآية الأخرى أنهم يظنون به ظن السوء، فقال: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً}2. قال الإمام ابن القيم في تفسير الآية الأولى: "فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله وأن أمره سيضمحل، وفسر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته؛ ففسر بإنكار الحكمة وإنكار القدر وإنكار أن يتم أمر رسوله وأن يظهره الله على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظن المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا ظن السوء؛ لأنه لا يليق به سبحانه ولا بحكمته وحمده ووعده الصادق، فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستمرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة؛ فذلك ظن الذين كفروا؛ فويل للذين كفروا من النار، وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده؛ فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله، وليستغفره من ظنه بربه ظن السوء". ولو فتشت من فتشت؛ لرأيت عنده تعنتا على القدر، وملامة له، وأنه كان -------------------------------- 1 سورة آل عمران، الآية: 154. 2 سورة الفتح، الآية: 6. ص -93- ينبغي أن يكون كذا وكذا؛ فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك هل أنت سالم؟ فإنْ تَنْج مِنْ ذي عَظيَمٍة وإلاَّ فَإنِّي لا أَخَالكَ نَاجِيا قال ابن القيم - رحمه الله -: "فمن ظن به أنه لا ينصر رسوله ولا يتم أمره ولا يؤيده ويؤيد حزبه ويعليهم ويظفرهم بأعدائهم ويظهرهم، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالاً لا يقوم بعده أبدًا؛ فقد ظن بالله ظن السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بجلاله وكماله وصفاته ونعوته؛ فإن حمده وعزته وحكمته وإلهيته تأبى ذلك، وتأبي أن يذل حزبه وجنده، وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين به العادلين به، فمن ظن به ذلك؛ فما عرفه، ولا عرف أسماءه، ولا عرف صفاته وكماله". وكذلك من أنكر أن يكون ذلك بقضائه؛ فما عرفه، ولا عرف ربوبيته وملكه وعظمته. وكذلك من أنكر أن يكون قدَّر ما قدَّره من ذلك وغيره لحكمة بالغة وغاية محمودة يستحق عليها الحمد، ظن أن ذلك إنما صدر عن مشيئة مجردة عن حكمة وغاية مطلوبة هي أحب إليه من فواتها، وأن تلك الأسباب المكروهة له المفضية إليها لا يخرج تقديرها عن الحكمة؛ لإفضائها إلى ما يحب، وإن كانت مكروهة له؛ فما قدرها سدى، ولا شاءها عبثا، ولا خلفها باطلاً،{ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ}1. وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق، ظن السوء، فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله، وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حكمته وحمده: -------------------------------- 1 سورة ص، الآية: 27. ص -94- فمن قنط من رحمته، وآس من روحه؛ فقد ظن به ظن السوء. ومن جوز عليه أن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم ويسوي بينهم وبين أعدائه؛ فقد ظن به ظن السوء. ومن يظن أنه يترك خلفه سدى معطلين عن الأمر والنهي لا يرسل إليهم رسله ولا ينزل عليهم كتبه، بل يتركهم هملاً كالأنعام؛ فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أنه لا يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب في دار يجازى المحسن فيها بإحسانه والمسيء بإساءته ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه ويظهر للعالمين كلهم صدقه وصدق رسوله وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين؛ فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أنه يضيع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصا لوجهه على امتثال أمره ويبطله بلا سبب من العبد، وأنه يعاقبه بما لا صنع له فيه ولا اختيار له ولا قدرة ولا إرادة له في حصوله، بل يعاقبه على فعله هو - سبحانه - به، أو ظن به أنه يجوز عليه أن يؤيد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيد بها أنبياءه ورسله، ويجريها على أيديهم ليضلوا بها عبادة، وأنه يحسن منه كل شيء، حتى تعذيب من أفنى عمره في طاعته، فيخلده في الجحيم في أسفل سافلين، وينعم من استنفذ عمره في عداوته وعداوة رسله ودينه، فيرفعه إلى أعلى عليين، وكلا الأمرين في الحسن عنده سواء، ولا يعرف امتناع أحدهما ووقوع الآخر إلا بخير صادق، وإلا فالعقل لا يقضي بقبح أحدهما وحسن الآخر؛ فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل وتشبيه وتمثيل، وترك الحق؛ لم يخبر به، وإنما رمز إليه رموزًا بعيدة، وأشار إليه إشارات ملغزة، ولم يصرح به، وصرح دائما بالتشبيه والتمثيل والباطل، وأراد من خلفه أن ص -95- يتعبوا أذهانهم وقواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه، وتأويله على غير تأويله، ويتطلبوا له الوجوه والاحتمالات المستكرهة والتأويلات التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالكشف والبيان، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم لا على كتابه، بل أراد منهم أن لا يحملوا كلامه على ما يعرفونه من خطابهم ولغتهم، مع قدرته على أن يصرح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به ويريحهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل؛ فلم يفعل، بل سلك بهم خلاف طريق الهدى والبيان؛ فقد ظن به ظن السوء؛ فإنه إن قال: إنه غير قادر على التعبير عن الحق باللفظ الصريح الذي عبر به هو وسلفه؛ فقد ظن بقدرته العجز، وإن قال: إنه قادر، ولم يبين، وعدل عن البيان وعن التصريح بالحق إلى ما يوهم بل يوقع في الباطل المحال والاعتقاد الفاسد؛ فقد ظن بحكمته ورحمته ظن السوء. ومن ظن أنه هو وسلفه عبروا عن الحق بصريحه دون الله ورسوله، وأن الهدى والحق في كلامهم، وأما كلام الله؛ فإنما يؤخذ من ظاهره التشبيه والتمثيل والضلال، وظاهر كلام المشركين والحيارى هو الهدى والحق؛ لهذا من أسوأ الظن. فكل هؤلاء من الظانين بالله ظن السوء، ومن الظانين بالله غير الحق، ظن الجاهلية..." انتهى كلام ابن القيم في بيان من هم الذين يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، ومن أراد استيفاءه؛ فليراجعه في (زاد المعاد)، والله المستعان. 2- الاستهزاء بشيء فيه ذكر الله: يجب على المسلم احترام كتاب الله وسنة رسوله وعلماء المسلمين، وأن يعرف حكم من استهزأ بذكر الله أو القرآن أو الرسول؛ ليكون المسلم على حذر من ذلك؛ فإن من استهزأ بذكر الله أو القرآن أو الرسول أو بشيء من ص -96- السنة؛ فقد كفر بالله عز وجل لاستخفافه بالربوبية والرسالة، وذلك مناف للتوحيد، وكفر بإجماع أهل العلم. قال الله تعالى:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ...}1الآية. وقد جاء بيان سبب نزول هاتين الآيتين الكريمتين؛ أنه ما حصل من المنافقين في بعض الغزوات من سخرية بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ فقد روى ابن جرير وغيره عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة "دخل حديث بعضهم في بعض"؛ "أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء "يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه القراء". فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكتك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب عوف فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب نقطع به الطريق". قال ابن عمر: "كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة نتقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الحجارة تنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب. فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم:{أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ.}2. ففي هاتين الآيتين الكريمتين مع بيان سبب نزولهما دليل واضح على كفر من استهزأ بالله أو رسوله أو آيات أو سنة رسوله أو بصحابة رسول الله؛ لأن من فعل ذلك؛ فهو مستخف بالربوبية والرسالة، وذلك مناف للتوحيد والعقيدة، ولو لم حقيقة الاستهزاء. ومن هذا الباب الاستهزاء بالعلم وأهله، وعدم احترامهم، أو الوقيعة فيهم -------------------------------- 1 سورة التوبة، الآيتان: 65 ـ 66. 2 سورة التوبة، الآيتان: 65 ـ 66. ص -97- من أجل العلم الذي يحملونه، وكون ذلك كفرًا، لو لم يقصد حقيقة الاستهزاء؛ لأن هؤلاء الذين نزلت فيهم الآيات جاؤوا معترفين بما صدر منهم، ومعتذرين بقولهم:{إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ}؛ أي: لم نقصد الاستهزاء والتكذيب، وإنما قصدنا اللعب ضد الجد؛ فأخبرهم الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أن عذرهم هذا لا يغني من الله شيئا، وأنهم كفروا بعد إيمانهم بهذه المقالة التي استهزؤوا بها، ولم يقبل اعتذارهم بأنهم لم يكونوا جادين في قولهم، وإنما قصدوا اللعب، ولم يزدصلى الله عليه وسلم في إجابتهم على تلاوة قول الله تعالى: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}1؛ لأن هذا لا يدخله المزاح واللعب، وإنما الواجب أن تحترم هذه الأشياء وتعظم، وليخشع عند آيات الله إيمانا بالله ورسوله وتعظيما لآياته، والخائض اللاعب متنقص لها. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - يرحمه الله -: "القول الصريح في الاستهزاء هذا وما شابهه، وأما الفعل الصريح؛ فمثل مد الشفة وإخراج اللسان ورمز وما يفعله كثير من الناس عند الأمر بالصلاة والزكاة؛ فكيف بالتوحيد؟!" انتهى. ومثل هذا الاستهزاء بالسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ كالذي يستهزئ بإعفاء اللحى وقص الشوارب، أو يستهزئ بالسواك... أو غير ذلك، وكالاستهزاء بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال ابن إسحاق: "وقد كان جماعة من المنافقين، منهم وديعة بن ثابت أخو بني أمية بن زيد عمرو بن عوف، ورجل من أشجع لبني سلمة، يقال له: مخشي بن حمير، يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحبسون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟! -------------------------------- 1 سورة التوبة، الآيتان: 65 ـ 66. ص -98- والله لكأنا بكم غبرًا مقرنين في الحبال! إرجافا وترهيبا للمؤمنين؛ فقال مخشي ابن حمير: والله لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مئة جلدة، وإنا نتلفت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني لعمار ابن ياسر: "أدرك القوم؛ فإنهم قد احترقوا؛ فسلهم عما قالوا، فإن أنكروا؛ فقل: بلى، قلتم كذا وكذا". فانطلق إليهم عمار، فقال لهم ذلك، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف على راحلته، فجعل يقول وهو آخذ بحقيها: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب. فقال مخشي بن حمير: يا رسول الله! قعد بي اسمي واسم أبي. فكان الذي عناه - أي: بقوله تعالى:{إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ}1 في هذه الآية - مخشي بن حمير؛ فسمي عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل شهيدًا لا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة، فلم يوجد له أثر". قال شيخ الإسلام ابن تيميه - رحمه الله -: "فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم، مع قولهم: إنما تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل إنما كنا نخوض ونلعب، وبيَّن أن الاستهزاء بآيات الله كفر، ولا يكون هذا إلا ممَّن شرح صدرًا بهذا الكلام، ولو كان الإيمان في قلبه؛ لمنعه أن يتكلم بهذا الكلام، والقرآن يبين أن إيمان القلب يستلزم العمل الظاهر بحسبه؛ كقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}2، نفى الإيمان عمن طاعة الرسول، وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم؛ سمعوا وأطاعوا؛ فبين -------------------------------- 1 سورة التوبة، الآية: 66. 2 سورة النور، الآيات: 47 ـ 51. ص -99- أن هذا من لوازم الإيمان..." انتهى. وبه يعلم كفر من يتنقصون الشريعة الإسلامية، ويصفونها بأنها لا تصلح لهذا الوقت الحاضر، وأن الحدود الشرعية فيها قسوة ووحشية، وأن الإسلام ظلم المرأة... إلى غير ذلك من مقالات الكفر والإلحاد؛ نسأل الله العافية والسلامة. أمور يفعلها بعض الناس وهي من الشرك أو من وسائله: هناك أشياء مترددة بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر، بحسب ما يقوم بقلب فاعلها وما يصدر عنه الأفعال والأقوال، ويقع فيها بعض الناس، قد تتنافى مع العقيدة، أو تعكر صفوها، وهي تمارس على المستوى العام، ويقع فيها بعض العوام؛ تأثرًا بالدجالين والمحتالين والمشعوذين، وقد حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن هذه الأمور: 1- لبس الحلقة والخيط ونحوهما بقصد رفع البلاء أو دفعه: وذلك من فعل الجاهلية، وهو من الشرك الأصغر، وقد يترقى إلى درجة الشرك الأكبر؛ بحسب ما يقوم بقلب لا بسها من الاعتقاد بها. فعن عمران بن حصين - رضي الله عنه ؛ "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: "ما هذا؟ ". قال: من الواهنة فقال: "انزعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وهنا؛ فإنك لو مت وهي عليك؛ ما أفلحت أبدًا"، رواه أحمد بسند لا بأس به، وصححه ابن حبان والحاكم وأقره الذهبي. 2- تعليق التمائم: وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادها، يتقون بها العين، ويتلمحون من اسمها أن يتم الله لهم مقصودهم. ص -100- وقد تكون التمائم من عظام ومن خرز ومن كتابة وغير ذلك، وهذا لا يجوز. وقد يكون المعلق من القرآن، فإذا كان من القرآن؛ فقد اختلف العلماء في جوازه وعدم جوازه، والراجح عدم جوازه؛ سدّاً للذريعة، فإنه يفضي إلى تعليق غير القرآن، ولأنه لا مخصص للنصوص المانعة من تعليق التمائم؛ كحديث ابن مسعود - رضي الله عنه ؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الرقى والتمائم والتولة شرك"، رواه أحمد وأبو داود، وعن عقبة بن عامر مرفوعا: "من علق تميمة؛ فقد أشرك"، وهذه نصوص عامة لا مخصص لها. 3- التبرك بالأشجار والآثار والبنايات: والتبرك معناه طلب البركة ورجاؤها واعتقادها في تلك الأشياء. وحكمه أنه شرك أكبر؛ لأنه تعلق على غير الله سبحانه في حصول البركة، وعباد الأوثان إنما كانوا يطلبون البركة منها؛ فالتبرك بقبور الصالحين كالتبرك باللات، والتبرك بالأشجار والأحجار كالتبرك بالعزى ومناة. وعن أبي واقد الليثي؛ قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر؛ إنها السنن، قلتم - والذي نفسي بيده - كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}1، لتركبن سنن من كان قبلكم"، رواه الترمذي وصححه. 4- السحر: وهو عبارة عما خفي ولطف سببه، سمي سحرًا لأنه يحصل بأمور خفية لا -------------------------------- 1 سورة الأعراف، الآية 138. ص -101- تدرك بالأبصار، وهو عبارة عن عزائم ورقى وكلام يتكلم به وأدوية وتدخينات، ومنه ما يؤثر في القلوب والأبدان فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه، وتأثيره بإذن الله الكوني القدري، وهو عمل شيطاني، وكثير منه لا يتوصل إليه إلا بالشرك والتقرب إلى الأرواح الخبيثة بشيء مما تحب، والاستعانة بالتحيل على استخدامها بالإشراك بها، ولهذا يقرنه الشارع بالشرك، وهو داخل في الشرك من ناحيتين: الأولى: ما فيه من استخدام الشياطين والتعلق بهم، وربما تقرب إليهم بما يحبونه ليقومون بخدمته. الثانية: ما فيه من دعوى علم الغيب ودعوى مشاركة الله في ذلك، وهذا كفر وضلال. قال تعالى:{وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ}1. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". 5- الكهانة: وهي ادعاء علم الغيب؛ كالإخبار بما سيقع في الأرض، مع الاستناد إلى سبب، هو استراق السمع، يسترق الجني الكلمة من كلام الملائكة، فيلقيها في أذن الكاهن، فيكذب معها مئة كذبة، فيصدقه الناس بسبب تلك الكلمة. والله هو المتفرد بعلم الغيب؛ فمن ادعى مشاركته في شيء من ذلك بكهانة أو غيرها، أو صدَّق من يدَّعي ذلك؛ فقد جعل لله شريكا فيما هو من -------------------------------- 1 سورة البقرة، الآية 102. ص -102- خصائصه، وهو مكذب لله ولرسوله. وكثير من الكهانة المتعلقة بالشياطين لا تخلو من الشرك والتقرب إلى الوسائط التي يستعين بها على دعوى العلوم الغيبية. فالكهانة شرك من جهة دعوى مشاركة الله في علمه الذي اختص به، ومن جهة التقرب إلى غير الله. وفي صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: "من أتى عرافا، فسأله عن شيء، فصدقه بما يقول؛ لم تقبل له صلاة أربعين يوما". وعن أبي هريرة - رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: "من أتى كاهنا، فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم"، رواه أبو داود. ومما يجب التنبيه عليه والتحذير منه أمر السحرة والكهان والمشعوذين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون؛ فبعضهم يظهر للناس بمظهر الطبيب الذي يداوي المرض، وهو في الحقيقة مفسد للعقائد؛ بحيث يأمر المريض أن يذبح لغير الله، أو يكتب له الطلاسم الشركية والتعاويذ الشيطانية، والبعض الآخر منهم يظهر بمظهر المخبر عن المغيبات وأماكن الأشياء المفقودة؛ بحيث يأتيه الجهال يسألونه عن الأشياء الضائعة، فيخبرهم عن أماكن وجودها، أو يحضرها لهم بواسطة الشياطين، والبعض الآخر منهم يظهر بمظهر الولي الذي له خوارق وكرامات؛ كدخول النار، وضرب نفسه بالسلاح، ومسك الحيات... وغير ذلك، وهو في الحقيقة دجال مشعوذ وولي للشيطان... وكل هذه الأصناف تريد الاحتيال والنصب لأكل أموال الناس وإفساد عقائدهم؛ فيجب على المسلمين أن يحذروهم ويبتعدوا عنهم، ويجب على ولاة الأمور استتابة هؤلاء، فإن تابوا وإلا قتلوا؛ لإراحة المسلمين من شرهم وفسادهم، وتنفيذًا ص -103- لحكم الله فيهم؛ ففي "صحيح البخاري" عن بجالة بن عبدة؛ قال: "كتب عمر بن الخطاب أن اقتلوا كل ساحر وساحرة"، وعن جندب مرفوعا: "حد الساحر ضربه بالسيف"، رواه الترمذي. 6- التطير: وهو التشاؤم بالطيور والأسماء والألفاظ والبقاع والأشخاص وغير ذلك فإذا عزم شخص على أمر من أمور الدين أو الدنيا، فرأى أو سمع ما يكره؛ أثر فيه ذلك أحد أمرين: إما الرجوع عما كان عازما عليه تطيرًا وتأثرًا بما رأى أو سمع، فيعلِّقُ قَلْبَه بذلك المكروه، ويؤثر ذلك على إيمان، ويخل بتوحيده وتوكله على الله. وإما أن لا يرجع عما عزم عليه، ولكن يبقى في قلبه أثر ذلك التطير من الحزن والألم والهم والوساوس والضعف. فيجب على من وجد شيئا من ذلك في نفسه: أن يجاهدها على دفعه، ويستعين بالله، ويتوكل عليه، ويمضي في شأنه، ويقول: "اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك". والتطير داء قديم، ذكره الله عن الأمم الكافرة، وأتهم كانوا يتطيرون بخير الخلق، وهم الأنبياء وأتباعهم المؤمنين؛ كما ذكر الله عن فرعون وقومه؛ أنهم إذا أصابتهم سيئة {يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ}1، وكما ذكر الله عن قوم صالح أنهم قالوا له: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ}2، وكما ذكر الله عن أصحاب القرية أنهم قالوا لرسل الله {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}3، وكما ذكر الله عن المشركين أنهم تطيروا بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ كما في قوله تعالى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ}4. وهكذا دين المشركين واحد؛ حيث انتكست قلوبهم وعقولهم؛ فاعتقدوا -------------------------------- 1 سورة الأعراف، الآية 131. 2 سورة النمل، الآية47. 3 سورة يس، الآية 18. 4 سورة النساء، الآية 78. ص -104- الشر بمن هو مصدر الخير، وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، وما ذلك إلا لتمكن الضلالة في نفوسهم، وانتكاس فطرهم، وإلا؛ فالخير والشر كلاهما بقضاء الله وقدره، ويجريان حسب حكمته وعلمه تفضلاً؛ فالخير تفضل منه وجزاء على فعل الطاعة، والشر عدل منه وجزاء وعقوبة على فعل المعصية؛ قال تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}1. والتطير شرك؛ لكونه تعلق على غير الله، واعتقاد بحصول الضرر من مخلوق لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعا، ولكونه من إلقاء الشيطان ووسوسته، ولكونه يصدر عن القلب خوفا وخشية، وهو ينافي التوكل. وإليكم ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم محذرًا من التطير: فقد روى الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: "لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر". وقال صلى الله عليه وسلم: "لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل. قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة"، متفق عليه. وعن ابن مسعود مرفوعا: "الطيرة شرك، الطيرة شرك". وفي "صحيح مسلم" عن معاوية بن الحكم؛ أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "ومنا أناس يتطيرون؟ قال: ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه؛ فلا يصدَّنَّكم"؛ فأخبر صلى الله عليه وسلمأن تأذيه وتشاؤمه بالطَّيَرة إنما هو في نفسه وعقيدته لا في المتطيَّر به؛ فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده تأثرًا بما رآه أو سمعه. فأوضح صلى الله عليه وسلملأمته وبين لهم فساد الطيرة؛ ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة، ولا فيها لهم دلالة، ولا نصبها سببا لما يخافونه ويحذرونه، ولتطمئن قلوبهم وتسكن نفوسهم إلى وحدانيته - تعالى، التي أرسل بها رسله، وأنزل بها كتبه، وخلق لأجلها السماوات والأرض؛ فقطع علق الشرك من قلوبهم، فمن استمسك بعروة التوحيد الوثقى، واعتصم بحبله المتين، وتوكل -------------------------------- 1 سورة النساء، الآية 79. ص -105- على الله؛ قطع هاجس الطيرة من قبل استقرارها، وبارد خواطرها قبل استكمالها. قال عكرمة: "كنا جلوسا عند ابن عباس، فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم، خير خير. فقال ابن عباس: لا خير ولا شر"، فبادره بالإنكار عليه؛ لئلا يعتقد تأثيره في الخير والشر، وكذلك سائر المخلوقات؛ لا تجلب خيرًا ولا تدفع شرّاً بذاتها. وقوله صلى الله عليه وسلم : "ويعجبني الفأل"، ثم بينَّه صلى الله عليه وسلم بأنه الكلمة الطيبة، وإنما أعجبه الفأل لأنه حسن ظن بالله، والعبد مأمور أن يحسن الظن بالله، والطيرة سوء الظن بالله - عز وجل - وتوقع البلاء، ومن هنا جاء الفرق بينهما في الحكم؛ لأن الناس إذا أملوا الخير من الله؛ علقوا قلوبهم به، وتوكلوا عليه، وإذا قطعوا آمالهم ورجاءهم من الله؛ كان ذلك من الشر والتعلق على غير الله. قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: "ليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيء من الشرك، بل ذلك عن مقتضى الطبيعة، وموجب الفطرة الإنسانية، التي تميل إلى ما يوافقها ويلائمها، كما أخبرهم صلى الله عليه وسلم أنه حبب إليه من الدنيا النساء والطيب؛ فكان يحب الحلواء والعسل، ويحب حسن الصوت بالقرآن والأذان ويستمع إليه، ويحب معالي الأخلاق ومكارم الشيم، وبالجملة يحب كل كمال وخير وما يفضي إليهما. والله - سبحانه - قد جعل في غرائز الناس الإعجاب لسماع الاسم الحسن، ومحبته، وميل نفوسهم إليه، وكذلك جعل فيها الارتياح والاستبشار والسرور باسم الفلاح والسلام والنجاح والتهنئة والبشرى والفوز والظفر، فإذا هذه الأسماء الأسماع؛ استبشرت بها النفس، وانشرح لها الصدر، وقوي بها القلب، وإذا سمعت أضدادها؛ أوجب لها ضد هذه الحال، فأحزنها ذلك، وأثار خوفا ص -106- وطيرة وانكماشا وانقباضا عما قصدت وعزمت عليه، فأورث لها ضررًا في الدنيا، ونقصا في الإيمان، ومقارفة للشرك.." انتهى كلامه رحمه الله . وفي الحديث الذي رواه أحمد عن ابن عمرو - رضي الله عنهما؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم : "من ردته الطيرة عن حاجته؛ فقد أشرك, قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: أن تقول: اللهم ولا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك"؛ فتضمن هذا الحديث الشريف أن الطيرة لا تضر من كرهما ومضى في طريقه، وأما من لم يخلص توكله على الله، واسترسل مع الشيطان في ذلك؛ فقد يعاقب بالوقوع فيما يكره؛ لأنه أعرض عن واجب الإيمان بالله. هذا؛ ونسأل الله عز وجل أن يمن علينا بالإيمان والتوكل عليه، ويجنبنا طريق الشر والشرك؛ إنه سميع مجيب. 7 - التنجيم: وهو كما عرفه المحققين؛ بأنه الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية؛ كأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وظهور الحر والبرد، وتغير الأسعار، أو حدوث الأمراض أو الوفيات، أو السعود والنحوس، وهذا ما يسمى بعلم التأثير. وهو على نوعين: النوع الأول: أن يدعي المنجم أن الكواكب فاعلة مختارة، وأن الحوادث تجري بتأثيرها. وهذا كفر بإجماع المسلمين؛ لأنه اعتقاد أن هناك خالفا غير الله، وأن أحدًا يتصرف في ملكه بغير مشيئته وتقديره - سبحانه تعالى -. النوع الثاني: الاستدلال بمسير الكواكب واجتماعها وافتراقها على حدوث الحوادث، وهذا لا شك في تحريمه؛ لأنه من ادعاء علم الغيب، وهو ص -107- من السحر - أيضا؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من اقتبس شعبة من النجوم؛ فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد"، رواه أبو داود، وإسناده صحيح، وصححه النووي والذهبي، ورواه ابن ماجه وأحمد وغيرهما، والسحر محرم بالكتاب والسنة والإجماع، والإخبار عن الحوادث عن الحوادث المستقبلية عن طريق الاستدلال بالنجوم من ادعاء علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه؛ فهو ادعاء لمشاركته - سبحانه - بعلمه الذي انفرد به، أو تصدق لمن ادعى ذلك، وهذا ينافي التوحيد؛ لما فيه من هذه الدعوى الباطلة. قال الخطابي: "علم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي ستقع في مستقبل الزمان "أوقات هبوب الرياح ومجيء المطر وتغير الأسعار" وما في معناها من الأمور التي يزعمون أنها تدرك معرفتها بسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها؛ يدعون أن لها تأثيرًا في السفليات، وهذا منهم تحكم على الغيب، وتعاط لعلم قد استأثر به الله، ولا يعلم الغيب سواه". قال البخاري في "صحيحه": "قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك؛ أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به..." انتهى. وأخرج الخطيب عنه؛ قال: "وإن أناسا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة: من أعرس بنجم كذا وكذا؛ كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا؛ كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود والطويل والقصير والحسن والذميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب، ولو أن أحدًا علن الغيب؛ لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته وعلَّمه أسماء كل شيء...".انتهى. ص -108- أقول: ومن الخرافات الباطلة ما يروجه الدجَّالون في بعض الصحف والمجلات من ذكر البخث والنحوس والسعود، ويعلقون ذلك بحسابات البروج والنجوم، ويصدق به بعض السذج. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن- رحمه الله - في "فتح المجيد": "فإن قيل: المنجم قد يصدق. قيل: صدقه كصدق الكاهن؛ يصدق في كلمة ويكذب في مئة، وصدقه عن علم، بل قد يوافق قدرًا، فيكون فتنة في حق من صدقه". قال: "وقد جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بإبطال علم التنجيم؛ كقول: "من اقتبس شعبة من النجوم؛ فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد"، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وعن رجاء بن حيوة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن مما أخاف على أمتي: التصديق بالنجوم، والتكذيب بالقدر، وحيف الأئمة"، رواه ابن حميد". وأما الاستدلال بالنجوم لمعرفة الاتجاه في الأسفار في البر البحر؛ فهذا لا بأس به، وهو من نعمة الله - عز وجل؛ حيث يقول - سبحانه -:{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ}1؛ أي: لتعرفوا بها جهة قصدكم، وليس المراد أنه يهتدي بها في علم الغيب كما يعتقده المنجمون. قال الخطابي: "وأما ما يستدل به من النجوم على جهة القبلة؛ فإنها كواكب رصدها أهل الخبرة من الأئمة، الذين لا نشك في عنايتهم بأمر الدين، ومعرفتهم بها، وصدقهم فيما أخبروا به عنها؛ مثل أن يشاهدها بحضرة الكعبة، ويشاهدها على حال الغيبة عنها؛ فكان إدراكهم الدلالة منها بالمعاينة، وإدراكنا ذلك بقبول خبرهم؛ إذ كانوا عندنا غير متهمين في دينهم، ولا مقصرين في -------------------------------- 1 سورة الأنعام، الآية 97. ص -109- معرفتهم". وقال ابن رجب: "والمأذون في تعلمه علم التسيير لا علم التأثير؛ فإنه - أي: علم التأثير - باطل محرم قليله وكثيره، وأما علم التسيير؛ فيتعلم ما يحتاج إليه من الاهتداء ومعرفة القبلة والطرق، وهو جائز عند الجمهور..." انتهى. وكذلك تعلم منازل الشمس والقمر للاستدلال على القبلة وأوقات الصلوات والفصول ومعرفة الزوال. قال الخطابي: "أما علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والخبر الذي يعرف به الزوال وتعلم به جهة القبلة؛ فإنه غير داخل فيما نهي عنه، وذلك أن معرفة رصد الظل ليس شيئا أكثر من أن الظل ما دام متناقصا؛ فالشمس بعدُ صاعدة نحو وسط السماء من الأفق الشرقي، وإذا أخذ في الزيادة فالشمس هابطة من وسط السماء نحو الأفق الغربي، وهذا علم يصلح إدراكه بالمشاهدة؛ إلا أن أهل هذه الصناعة قد دبروها بما اتخذوه من الآلات التي يستغني الناظر فيها عن مراعاة مدته ومراصدته..." انتهى. وروى ابن المنذر عن مجاهد أنه كان لا يرى بأسا أن يتعلم الرجل منازل القمر. وبعد؛ فإن عقيدة المسلم هي أعز شيء عنده؛ لأن بها نجاته وسعادته؛ فيجب عليه أن يحرص على تجنب ما يسيء إليها أو يمسها من الشركيات والخرافات والبدع؛ لتبقى صافية مضيئة، وذلك بالتزام الكتاب والسنة وما عليه السلف الصالح، ولا يتم ذلك إلا بتعلم هذه العقيدة، ومعرفة ما يضادها من العقائد المنحرفة، لا سيما وأنه قد كثر اليوم في صفوف المسلمين من يحترف التدجيل والشعوذة والتعلق بالقبور والأضرحة لطلب الحاجات وتفريج الكربات؛ كما كان عليه المشركون الأولون أو أشد، إضافة إلى اتخاذ السادة وأصحاب ص -110- الطرق الصوفية أربابا من دون الله؛ يشرعون لأتباعهم من الدين ما لم يأذن به الله؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله. 8 - الاستسقاء بالأنواء: وهو عبارة عن نسبة المطر إلى طلوع النجم أو غروبه على ما كانت الجاهلية تعتقده من أن طلوع النجم أو سقوطه في المغيب يؤثر في إنزال المطر، فيقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا. وهم يريدون بذلك النجم، ويعبرون عنه بالنوء، وهو طلوع النجم، من ناء ينوء: إذا نهض وطلع؛ فيقولون: إذا طلع النجم الفلاني؛ ينزل المطر. والمراد بالأنواء عندهم منازل القمر الثمانية والعشرون، في كل ثلاث عشرة ليلة يغرب واحد منها عند طلوع الفجر ويطلع مقابله، وتنقضي جميعها عند انقضاء السنة القمرية، وتزعم العرب في جاهليتها أنه عند طلوع ذلك النجم في الفجر ومغيب مقابله ينزل المطر، ويسمى ذلك الاستسقاء بالأنواء، ومعنى ذلك نسبة السقيا إلى هذه الطوالع. وهذا من اعتقاد الجاهلية الذي جاء الإسلام بإبطاله والنهي عنه؛ لأن نزول المطر وانحباسه يرجع إلى إرادة الله وتقديره وحكمته، وليس لطلوع النجوم تأثير فيه؛ قال تعالى: {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُوم ِوَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلاّ الْمُطَهَّرُ َتَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}1؛ فقوله تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}2؛ معناه: نسبة المطر الذي هو الرزق النازل من الله إلى النجم؛ بأن يقال: مطرنا بنوء كذا وكذا، وهذا من أعظم الكذب الافتراء؛ كما روى الإمام أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم والضياء في -------------------------------- 1 سورة الواقعة، الآيات 75 ـ 82. 2 سورة الواقعة، الآية 82. ص -111- "المختارة" عن علي - رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ}؛ يقول: شكركم.{أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}؛ "تقول: مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجوم كذا وكذا". قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن - رحمه الله -: "وهذا أولى ما فسرت به الآية، وروي ذلك عن علي وابن عباس وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني وغيرهم، وهو قول جمهور المفسرين" انتهى. وعن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفجر بالأحساب، والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم، والنياحة"، والمراد بالجاهلية هنا ما قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما يخالف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فهو جاهلية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في معنى الحديث: "أخبر أن بعض أمر الجاهلية لا يتركه الناس كلهم؛ ذمّا لمن لم يتركه، وهذا يقتضي أن كل ما كان من أمر الجاهلية وفعلهم؛ فهو مذموم في الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم، وهذا كقوله تعالى: {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى}1؛ فإن ذلك ذم للتبرج وذم لحال الجاهلية الأولى، وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة..." انتهى. وقوله هذا الحديث: "والاستسقاء بالنجوم": معناه نسبة المطر إلى النوء، وهو سقوط النجم؛ بأن يقول: مطرنا بنجم كذا وكذا. وحكم الاستسقاء بالأنواء أنه كان يعتقد أن له تأثيرًا في إنزال المطر؛ فهذا شرك وكفر أكبر، وهو الذي يعتقده أهل الجاهلية، وإن كان لا يعتقد للنجم تأثيرًا، وأن المؤثر هو الله وحده، ولكنه أجرى العادة بوجود المطر عند سقوط -------------------------------- 1 سورة الأحزاب، الآية 33. ص -112- ذلك النجم؛ فهذا لا يصل إلى الشرك الأكبر، ويكون من الشرك الأصغر؛ لأنه يحرم المطر إلى النجم، ولو على سبيل المجاز؛ سدًا للذريعة. وقد روى البخاري ومسلم عن بن خالد - رضي الله عنه؛ قال: "صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلمصلاة الصبح بالجديبة على أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف؛ أقبل على الناس، فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال أصبح عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب". فقوله صلى الله عليه وسلم : "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر"، وفسر المؤمن بأنه الذي ينسب المطر إلى فضل الله ورحمته، وفسر الكافر بأنه الذي ينسب المطر إلى الكوكب، وهذا فيه دلي على أنه لا تجوز نسبة أفعال الله إلى غيره، وأن ذلك كفر، فإن اعتقد أن للكواكب تأثيرًا في إنزال المطر؛ فقد كفر أكبر؛ لأنه إشراك في الربوبية، والمشرك كافر، وإن لم يعتقد أن للكواكب تأثيرًا في إنزال المطر، وإنما نسبه إليها مجازًا؛ فهذا محرم، وهو من الشرك الأصغر؛ لأنه نسب نعمة الله إلى غيره. قال القرطبي - رحمه الله -: "وكانت العرب إذا نجم من المشرق، وسقط آخر من المغرب، فحدث عند ذلك مطر أو ريح؛ فمنهم من ينسبه إلى الطالع ومنهم من ينسبه إلى الغارب نسبة إيجاد واختراع، ويطلقون ذلك القول المذكور في الحديث؛ فنهى الشارع عن إطلاق ذلك؛ لئلا"يعتقد أحد اعتقادهم ولا يتشبه بهم في نطقهم ..." انتهى. وقد روى مسلم في "صحيحه" في سبب نزول قوله تعالى: {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ....} الآيات (الواقعة: 75 - 82) عن ابن عباس - رضي الله ص -113- عنهما-: "قال بعضهم لقد صدق نوء كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآيات {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ...} إلى قوله: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}". فإنزال المطر من الله، وبحوله وقوته، لا دخل لمخلوق فيه؛ كما قال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ}1، فمن نسب إنزال المطر إلى الكواكب، أو إلى الظواهر الطبيعية؛ كالانخفاض الجوي أو المناخ؛ فقد كذب وافترى، وهذا شرك أكبر، وإن كان يعتقد أن المنزل هو الله، ولكن نسبه إلى هذه الأشياء من باب المجاز؛ فهذا حرام وكفر أصغر؛ لأنه نسب النعمة إلى غير الله؛ كالذي يقول مطرنا بنوء كذا وكذا. ما أكثر التساهل في هذا الأمر على ألسنة بعض الصحفيين أو الإعلاميين؛ فيجب على المسلم أن ينتبه لهذا، والله الموفق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 9- نسبة النعم إلى غير الله: سبق الكلام عن حكم نسبة المطر إلى الأنواء والاستسقاء بها، والكلام الآن في حكم نسبة النعم عموما إلى غير الله. إن الاعتراف بفضل الله وإنعامه والقيام بشكره من صميم العقيدة؛ لأن من نسب النعمة إلى غير موليها، وهو الله - سبحانه؛ فقد كفرها، وأشرك بالله بنسبتها إلى غيره. قال تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ}2. قال بعض المفسرين: "يعرفون أن النعم من عند الله، وأن الله هو المنعم عليهم بذلك، ولكنهم ينكرون ذلك؛ فيزعمون أنهم ورثوها عن آبائهم -------------------------------- 1 سورة الواقعة، الآيتان 68 ـ 69. 2 سورة النحل، الآية 83. ص -114- بعضهم: لولا فلان؛ لم يكن كذا وكذا، وبعضهم يقول: هذا بشفاعة آلهتنا". وهكذا كل ينسب النعمة إلى من يعظمه من الآباء والآلهة والأشخاص، متناسين مصدرها الصحيح، والمنعم بها على الحقيقة، وهو الله - سبحانه - . كما أن بعضهم ينسب نعمة السير في البحر والسلامة من خطره إلى الريح وحذق الملاح، فيقول: كانت الريح طيبة والملاح حاذقا. ومثله اليوم ما يجري على ألسنة الكثير من نسبة حصول النعم واندفاع النقم إلى مجهود الحكومات والأفراد أو تقدم العلم التجريبي؛ فيقولون مثلاً: تقدم الطب تغلب على الأمراض أو قضى عليها، والمجهودات الفلانية تقضي على الفقر والجهل... وما أشبه ذلك من الألفاظ التي يجب على المسلم أن يبتعد عنها ويتحفظ منها غاية التحفظ، وأن ينسب النعم إلى الله وحده، ويشكره عليها، وما يجري على يد بعض المخلوقين أفراداًأو جماعات من المجهودات إنما هي أسباب قد تثمر وقد لا تثمر، وهم يشكرون على قدر ما بذلوه، ولكن؛ لا يجوز نسبة حصول النتائج إلا إلى الله - سبحانه -. وقد ذكر الله في كتابه الكريم عن أقوام أنكروا نعمة الله عليهم، ونسبوا ما حصلوا عليه من المال والنعمة إلى غير الله؛ إما إلى كونهم يستحقونها، أو إلى خبرتهم ومعرفتهم ومهارتهم: قال تعالى: عن الإنسان:{وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ}1؛ فقوله:{هَذَا لِي}؛ أي: حصلت على هذا بعلمي، وأنا محقوق به، لا أنه تفضل من الله ونعمه، ليس بحول العبد ولا بقوته. -------------------------------- 1 صورة فصلت، الآية 50. ص -115- وقال تعالى: عن قارون الذي آتاه الله الكنوز العظيمة فبغى قومه، وقد وعظه الناصحون وأمروه بالاعتراف بنعمة الله والقيام بشكرها، فكابر عند ذلك وقال:{إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي}1؛ أي: حصلت على هذه الكنوز بسبب حذقي ومعرفتي بوجوه المكاسب، لا أنها تفضل من الله - تعالى؛ فكانت عاقبته من أسوأ العواقب وعقوبته من أشد العقوبات؛ حيث خسف الله به وبداره الأرض لما جحد نعمة الله ونسبها إلى غيره، وأنه حصل عليها بحوله وقوته. وما أحرى هؤلاء الذين اغتروا ف زماننا بما توصلوا إليه من مخترعات وقدرات أقدرهم عليه امتحانا لهم، فلم يشكروا نعمة الله، وصاروا يتشدقون ويتفاخرون بحولهم وقوتهم وبغوا في الأرض بغير الحق، وتطاولوا على عباد الله؛ ما أحراهم بالعقوبة! فقد اغترت قبلهم عاد بقوتها؛ كما قال الله تعالى عنهم: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَفَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ}2. وهاكم قصة قصها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جماعة ممَّن كان قبلنا، ابتلاهم الله فأنعم عليهم؛ فمنهم من جحد نعمة الله ونسب ما حصل عليه من المال إلى وراثته عن آبائه؛ فسخط الله عليه، ومنهم من اعترف بفضل الله وشكر نعمة الله؛ فرضي الله عنه. عن أبي هريرة - رضي الله عنه؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص أقرع أعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا: -------------------------------- 1سورة القصص الآية 78. 2 سورة فصلت، الآية 15. ص -116- فأتى الأبرص، فقال أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به". قال: "فمسحه فذهب عنه قذره، فأعطي لونا حسنا وجلداً حسنا. قال فأي المال أحب إليك؟ قال الإبل "أو: البقر؛ شك إسحاق". فأعطي ناقة عشراء، وقال: بارك الله لك فيها". قال: "فأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عني الذي قذرني الناس به فمسحه فذهب عنه، وأعطي شعراً حسنا، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر "أو: الإبل". فأعطي بقرة حاملاً. قال بارك الله لك فيها. فأتى الأعمى، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إليَّ بصري فأبصر به الناس. فمسحه، فرد الله إليه بصره. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم. فأعطي شاة والداً. فأنتج هذان وولد هذا، فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم". قال: "ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين انقطعت بي الحبال في سفري؛ فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيراً أتبلغ به في سفري. فقال: الحقوق كثيرة. فقال: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيراً فأعطاك الله عز وجل المال؟ فقال إنما ورثت هذا المال كابراً عن كابر. فقال: إن كنت كاذباً؛ فصيرك الله إلى ما كنت. وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل هذا، فقال: إن كنت كاذبا؛ فصيرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل، قد انقطعت بي الحبال في سفري؛ فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شارة أتبلَّغ بها في سفري؟ فقال كنت أعمى فرد الله إلي بصري؛ فخذ ما شئت؛ فو الله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله. فقال أمسك مالك؛ فإنما ابتليتم؛ فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك"، رواه البخاري ومسلم. ص -117- وهذا حديث عظيم فيه معتبر؛ فإن الأولين جحدا نعمة الله، ولم ينسباها إليه، ومنعا حق الله في مالهما؛ فحل عليهما سخط الله، وسلبت منهما النعمة، والآخر اعترف بنعمة الله، ونسبها إليه، وأدى حق الله فيها؛ فاستحق الرضى من الله، ووفر الله ماله؛ لقيامه بشكر النعمة. قال ابن القيم: "أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له والذل والمحبة، فمن لم يعرف النعمة، بل كان جاهلاً بها؛ لم يشكرها، ومن عرفها، ولم يعرف المنعم بها لم يشكرها - أيضا، ومن عرف النعمة والمنعم لكن جحدها كما يجحد المنكر النعمة والمنعم عليه بها؛ فقد كفرها، ومن عرف النعمة والمنعم بها، وأقر بها، ولم يجحدها، ولكن لم يخضع له ولم يحبه ويرض به وعنه؛ لم يشكره - أيضا، ومن عرفها، وعرف المنعم بها، وأقر بها، وخضع للمنعم وأحبه ورضي به وعنه، واستعملها في محبته وطاعته؛ فهذا هو الشاكر لها؛ فلا بد ف الشكر من علم القلب، وعمل يتبع العلم، وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له..." انتهى. الشرك الأصغر: الشرك الأصغر ينقص التوحيد ويخلُّ به، وهناك أشياء من الشرك الأصغر حذرنا منها الله ورسوله؛ صيانة للعقيدة، وحماية للتوحيد؛ لأنها تنقص التوحيد، وربما تجر إلى الشرك الأكبر. قال الله تعالى:{فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون}1 . قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في الآية: "الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي. وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولى البط في الدار لأتانا -------------------------------- 1البقرة الآية 22. ص -118- اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت. وقول الرجل: لولا الله وفلان.لا تجعل فيها فلانا؛ هذا كله به شرك"، رواه ابن أبي حاتم. فقد بين ابن عباس - رضي الله عنهما - أن هذه الأشياء من الشرك، والمراد به الشرك الأصغر، والآية عامة تشمل الشرك الأكبر والشرك الأصغر؛ فابن عباس - رضي الله عنهما- نبه بهذه الأشياء بالأدنى "وهو الشرك الأصغر"على الأعلى"وهو الشرك الأكبر"، ولأن هذه الألفاظ تجري على ألسنة كثير من الناس؛ إما جهلاً، أو تساهلاً. ومن هذه الأشياء: 1- الحلف بغير الله - عز وجل -: وهو شرك؛ كما روى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: "من حلف بغير الله؛ فقد كفر أو أشرك"، رواه الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم. وقوله:"فقد كفر أو أشرك": يحتمل أن يكون هذا شكّا من الراوي، ويحتمل أن يكون (أو) بمعنى الواو؛ فيكون قد كفر وأشرك، ويكون من الكفر الذي هو دون الكفر الأكبر؛ كما أنه من الشرك الأصغر. وقد من الناس اليوم من يحلف بغير الله؛ كمن يحلف بالأمانة، أو يحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو يقول: وحياتي وحياتك يا فلان... وما أشبه هذه الألفاظ، وقد سمعنا ما ورد في الأحاديث من النهي عن الحلف بغير الله - عز وجل، واعتباره كفراً أو شركا؛ لأن الحلف بالشيء تعظيم له، والذي يجب أن يُعظم ويُحلف به هو الله - عز وجل - والحلف بغيره شرك وجريمة عظمى. قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: "لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن ص -119- أحلف بغيره صادقا". ومن المعلوم أن الحلف بالله كاذبا كبيرة من الكبائر، لكن الشرك - وهو الحلف بغير الله - أكبر من الكبائر، وإن كان شركا أصغر. فيجب على المسلم أن يتنبه لهذا، ولا تأخذه العوائد الجاهلية؛ قال صلى الله عليه وسلم: "من كان حالفا؛ فليحلف بالله أو ليصمت"، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تحلفوا بآبائكم"... إلى غير ذلك من النصوص التي تأمرنا إذا أردنا أن نحلف أن نقتصر على الحلف بالله وحده ولا نحلف بغيره. ويجب على من حلف بالله أن يرضى؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : "من حلف بالله؛ فليصدق، ومن حلف له بالله؛ فليرض، ومن لم يرض؛ فليس من الله". 2- الشرك في الألفاظ: ومن الشرك الأصغر الشرك في الألفاظ؛ مثل قول: ما شاء الله وشئت. فقد روى الإمام أحمد والنسائي عن قتيلة؛ أن يهوديا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "إنكم تشركون؛ تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولن: والكعبة! فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت". وروى النسائي عن ابن عباس - رضي الله عنهما؛ "أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت. فقال: أجعلتني لله ندًا؟! قل: ما شاء الله وحده". فدل الحديثان وما جاء بمعناهما على منع قول: ما شاء الله وشئت، وما شابهه من الألفاظ؛ مثل: لولا الله وأنت، ما لي إلا الله وأنت... لأن العطف بالواو يقتضي التسوية بين المتعاطفين، وهذا شرك؛ فالواجب أن يعطف ب "ثم"، فيقال: ما شاء الله ثم شئت، أو شاء فلان، لو لا الله ثم أنت، أو: ص -120- ثم فلان، ما لي إلا الله ثم أنت... لأن العطف ب "ثم" يقتضي الترتيب والتعقيب، وأن مشيئة العبد تأتي بعد مشيئة الله - تعالى، لا مساوية لها؛ كما قال تعالى:{وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}1؛ فمشيئة العبد تابعة لمشيئة الله - تعالى؛ فالعبد وإن كانت له مشيئة - خلافا للجبرية؛ فمشيئة تابعة لمشيئة الله، ولا يقدر على أن يشاء شيئا إلا إذا كان قد شاءه؛ خلافا للقدرية من المعتزلة وغيرهم، الذين يثبتون للعبد مشيئة تخالف ما أراده الله، تعالى الله عما يقولون. 3- الشرك في النيات والمقاصد: ومن الشرك الأصغر الشرك في النيات والمقاصد، وهو ما يسمى بالشرك الخفي؛ كالرياء، وهو نوعان: أ- الرياء: وهو مشتق من الرؤية، والمراد به إظهار العبادة؛ لقصد رؤية الناس لها؛ فيحمدون صاحبها. والفرق بين الرياء وبين السمعة: أن الرياء لما يرى من العمل كالصلاة، والسمعة لما كالقراءة والوعظ والذكر. ويدخل في ذلك تحدث الإنسان عن أعماله وإخباره بها. وقد قال الله تعالى:{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}2. قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - في معنى الآية: "أي: كما أن الله واحد ل إله سواه؛ فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده لا شريك له؛ فكما تفرد بالإلهية يجب أن يفرد بالعبودية؛ فالعمل الصالح هو الخالص من الرياء المقيد -------------------------------- 1 سورة التكوير، الآية29 . 2 سورة الكهف، الآية 110. ص -121- بالسنة..." انتهى. وقد توعد الله المرائين بالويل؛ فقال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَالَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَوَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}1 . وأخبر تعالى أن الرياء من صفات المنافقين؛ فقال:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ}2. وعن أبي هريرة مرفوعا؛ قال: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري؛ تركته وشركه"، رواه مسلم؛ أي: من قصد بعمله غيري من المخلوقين؛ تركته وشركه، وفي رواية لابن ماجه: "فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك". قال ابن رجب - رحمه الله -: "إعلم أن العمل لغير الله أقسام؛ فتارة يكون رياء محضا؛ كحال المنافقين؛ كما قال تعالى: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ}3، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة أو الحج الواجب أو غيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها؛ فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة. وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركة من أصله؛ فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه، وأما إن كان العمل لله وطرأ عليه نية الرياء؛ فإن كان خاطراً ثم دفعه؛ فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه؛ فهل يحبط عمله أو لا؛ فيجازي على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف، قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير، ورجّحا أن عمله لا يبطل بذلك، -------------------------------- 1 سورة الماعون، الآيات 4 ـ 7. 2 سورة النساء، الآية 142. 3 سورة النساء، الآية 142. ص -122- وأنه يجازي بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن وغيره..." انتهى. فتحفظوا على أعمالكم من الشرك أعظم مما تتحفظون على أنفسكم من أعدائكم، وأعظم مما تتحفظون على أموالكم من السراق؛ فإن خطر الشرك عظيم. نسأل الله لنا ولكم السلامة والإخلاص في القول والعمل. ب- إرادة الإنسان بعمله الدنيا: إرادة الإنسان بعمله الدنيا نوع من أنواع الشرك في النية والقصد، قد حذر الله منه في كتابه، وحذر منه رسوله في سنته، وهو أن يريد الإنسان بالعمل الذي يُبتَغى به وجه الله مطمعا من مطامع الدنيا، وهذا شرك ينافي كمال التوحيد ويحبط العمل. قال الله تبارك تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}1. ومعنى الآيتين الكريمتين: أن الله - سبحانه - يخبر أن من قصد بعمله الحصول على مطامع الدنيا فقط؛ فإن الله يوفر له ثواب عمله في الدنيا بالصحة والسرور وبالمال والأهل والولد، وهذا مقيد بالمشيئة؛ كما قال في قوله تعالى في الآية الأخرى:{عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ}2،وهؤلاء ليس لهم في الآخرة إلا النار؛ لأنهم لم يعملوا ما يخلصهم منها، وكان عملهم في الآخرة باطلاً لا ثواب له؛ لأنهم لم يريدوها. قال قتادة: "يقول تعالى: من كانت الدنيا همه وطلبته ونيته؛ جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء، وأما -------------------------------- 1 سورة هود، الآيتان 15 ـ 16. 2 سورة الإسراء، الآية 18. ص -123- المؤمن؛ فيجازى بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة". قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -: "ذكر عن السلف في معنى الآية أنواع مما يفعله الناس اليوم ولا يعرفون معناه: فمن1 ذلك: العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله من صدقة وصلاة وصلة وإحسان إلى الناس وترك ظلم ونحو ذلك مما يفعله الإنسان أو يتركه خالصاً لله، لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته أو حفظ أهله وعياله أو إدامة النعمة عليهم، ولا همة له في طلب الجنة والهرب من النار؛ فهذا يعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة نصيب، وهذا النوع ذكره ابن عباس. النوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو الذي ذكره مجاهد في الآية أنها أنزلت فيه، وهو أن يعمل أعمالاً صالحة ونيته رياء الناس لا طلب ثواب الآخرة. النوع الثالث: أن يعمل أعمالاً صالحة يقصد بها مالاً؛ مثل أن يحج لما يأخذه، أو يهاجر لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، أو يجاهد لأجل المغنم؛ فقد ذكر هذا النوع - أيضا - في تفسير الآية، وكما يتعلم الرجل لأجل مدرسة أهله أو مكسبهم أو رئاستهم، أو يتعلم القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد؛ كما هو واقع كثيراً. النوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله مخلصا في ذلك لله وحده لا شريك له، لكنه على علم يكفره يخرج عن الإسلام؛ مثل اليهود والنصارى إذا عبدوا الله أو تصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، ومثل كثير من هذه -------------------------------- 1 هذا هو النوع الأول. ص -124- الأمة الذين فيهم كفر أو شرك يخرجهم من الإسلام بالكلية إذا أطاعوا الله طاعة خالصة يريدون بها ثواب الله في الدار الآخرة، لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام، وتمنع قبول أعمالهم؛ فهذا النوع - أيضا - قد ذكر في هذه الآية عن أنس ابن مالك وغيره، وكان السلف يخافون منها. انتهى ما ذكره -رحمه الله-. والآيتان تتناولان هذه الأنواع الأربعة؛ لأن لفظها عام. فالأمر خطير، يوجب على المسلم الحذر من أن يطلب بعمل الآخرة طمع الدنيا. وقد جاء في صحيح البخاري أن من كان قصده الدنيا يجري وراءها بكل همه؛ أنه يصير عبداً لها: فعن أبي هريرة - رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطى رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك، فلا انتفش". ومعنى"تعس" لغة: سقط، والمراد هنا هلك، وسماه عبداً لهذه الأشياء؛ لكونها هي المقصودة بعمله؛ فكل من توجه بقصده لغير الله؛ فقد جعله شريكا له في عبوديته؛ كما هو حال الأكثر. وقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلمفي هذا الحديث على من جعل الدنيا قصده وهمه بالتعاسة والانتكاسة وإصابته بالعجز عن انتقاش الشوك من جسده، ولا بد أن يجد أثر هذه الدعوات كل من اتصف بهذه الصفة الذميمة؛ فيقع فيما يضره في دنياه وآخرته. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الدينار والدرهم وعبد القطيفة وعبد الخميصة، وذكر فيها ما هو دعاء بلفظ الخبر، وهو ص -125- قوله: "تعس وانتكس، وإذا شيك؛ فلا انتقش"، وهذا حال من إذا أصابه شر؛ لم يخرج منه، ولم يفلح؛ لكونه تعس وانتكس؛ فلا نال المطلوب، ولا خلص من المكروه، وهذه حال من عبد المال، وقد وصف ذلك بأنه: إن أعطى رضي، وإن منع سخط؛ كما قال تعالى:{وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ}1، رضاهم لغير الله، وسخطهم لغير الله، وهكذا حال من كان متعلقاً برئاسة أو صورة ونحو ذلك من أهواء نفسه، إن حصل له؛ رضي، وإن لم يحصل له؛ سخط؛ فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له؛ إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته؛ فما استرق القلب واستعبده؛ فهو عبده...". إلى أن قال: "وهكذا طالب المال؛ فإن ذلك يستعبده ويسترقه، وهذه الأمور نوعان: الأول: منها ما يحتاج العبد إلى طعامه وشرابه ومنكحه ومسكنه ونحو ذلك؛ فهذا يطلب من الله، ويرغب إليه فيه، فيكون المال عنده يستعمله في حاجته بمنزلة حماله الذي يركبه وبساطه الذي يجلس عليه من غير أن يستعبده فيكون هلوعا. الثاني: ومنها ما لا يحتاج إليه العبد؛ فهذا ينبغي أن لا يعلق قلبه به، فإذا علق قلبه؛ صار مستعبداً له، وربما صار مستعبدًا على غير الله؛ فلا يبقى معه حقيقة العبودية لله، ولا حقيقة التوكل عليه، بل فيه شعبة من العبادة لغير الله، وشعبة من التوكل على غير الله، وهذا أحق الناس بقوله صلى الله عليه وسلم : "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة"، وهذا عبد لهذه الأمور، ولو طلبها من الله؛ فإن الله إذا أعطاه إياها؛ رضي، وإن منعه إياها؛ سخط وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط -------------------------------- 1 سورة التوبة، الآية 58. ص -126- الله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله؛ فهذا الذي استكمل الإيمان..." انتهى كلامه - رحمه الله -. قلت: ومن عبيد المال اليوم الذين يقدمون على المعاملات المحرمة والمكاسب الخبيثة بدافع حب المادة؛ كالذين يتعاملون بالربا مع البنوك وغيرها، والذين يأخذون المال عن طريق الرشوة والقمار وعن طريق الغش في المعاملات والفجور في المخاصمات، وهم يعلمون أن هذه مكاسب محرمة، لكن حبهم للمال أعمى أبصارهم، وجعلهم عبيداً لها؛ فصاروا يطلبونها من أي طريق. نسأل الله العافية لنا ولإخواننا المسلمين من الشح المطاع والهوى المتبع وإعجاب كل ذي رأي برأيه. 4- مسبة الدهر ونحوه: ومن الأشياء التي يرتكبها بعض الناس بحكم العادة، وهي مما ينقص التوحيد - أيضا - ويسيء إلى العقيدة: مسبة الدهر ومسبة الريح وما أشبه ذلك من إسناد الذم إلى المخلوقات فيما ليس لها فيه تصرف، فيكون هذا الذم في الحقيقة موجها إلى الله - سبحانه؛ لأنه الخالق المتصرف. قال الله تعالى عن المشركين:{وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ}1. فقد كذبوا بالبعث،{وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا }التي نحن فيها، ليس هناك حياة سواها. {نَمُوتُ وَنَحْيَا}؛ أي: يموت قوم ويعيش آخرون، وهذا منهم إنكار لوجود الخالق المتصرف، ورد جريان الحوادث إلى الطبيعة -------------------------------- 1لجاثية24. ص -127- ولهذا قالوا:{وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاّ الدَّهْرُ}؛ أي: لا يفنينا إلا مرور الليالي والأيام فنسبوا الإهلاك إلى الدهر على سبيل الذم له، وإنما قالوا هذا القول عن جهل وتخرص، لا عن علم وبرهان؛ لأن البرهان يرد هذا القول ويبطله، ولهذا رد الله عليه بقوله:{وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ}، وكل قول لا ينبني على علم وبرهان؛ فهو قول باطل مردود. والبراهين تدل على أن ما يجري في الكون لا بد له من مدبر حكيم قادر، وهو الله - سبحانه وتعالى - فكل من سب الدهر ونسب إليه شيئا من الحوادث؛ فقد شارك المشركين والدهرية في هذا الوصف الذميم، وإن لم يشاركهم في أصل الاعتقاد. وفي "الصحيحين" وغيرهما عن أبي هريرة - رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، بسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار"، وفي رواية: "لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر". فدل الحديث على أن من سب الدهر؛ فقد آذى الله - سبحانه - لأن السب يتجه إلى مدبر الحوادث والوقائع وخالقها، والدهر إنما هو ظرف ومحل وخلق مدبَّر، ليس له شيء من التدبير، ولهذا قال الله: "وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار"؛ فقوله - سبحانه -: "أقلب الليل والنهار": تفسير لقوله: "وأنا الدهر"، وكذا قوله: "فإن الله هو الدهر"؛ معناه أن الله هو المتصرف الذي يصرف الدهر وغيره؛ فالذي يسب الدهر إنما يسب من خلقه، وهو الله تعالى وتقدس. قال بعض السلف: "كانت العرب في جاهليتها من شأنها ذم الدهر؛ أي: سبه عند النوازل؛ فكانوا إذا أصابتهم شدة أو بلاء؛ قالوا: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، وقالوا: يا خيبة الدهر! فيسندون الأفعال إلى الدهر، ويسبونه، وإنما فاعل ذلك هو الله، فإذا أضافوا ما نالهم من الشدائد إلى ص -128- الدهر؛ فإنما سبوا الله - عز وجل؛ لأن الله هو الفاعل لذلك حقيقة. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن - رحمه الله -: "وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحون من الظاهرية في عدهم الدهر من الأسماء الحسنى؛ أخذاً بهذا الحديث، وقد بيَّن معناه في الحديث بقوله: "أقلب الليل والنهار"، وتقليبه تصرفه تعالى فيه بما يحبه الناس ويكرهونه. فالذي يليق بالمسلم تجنب مثل هذه الألفاظ، وإن كان يعتقد أن الله هو المتصرف، لكن في تجنبها ابتعاد عن مشابهة الكفار، ولو في الألفاظ، وفي ذلك حفاظ على العقيدة، وتأدب مع الله - سبحانه ومن جنس مسبة الدهر مسبة الريح، وقد ورد النهي عنها في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن أبي بن كعب - رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون؛ فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذا الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، وأعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به". وذلك أن الريح إنما تهب بأمر الله وتدبيره؛ لأنه هو الذي أوجدها وأمرها؛ فمسبتها مسبة للفاعل، وهو الله - سبحانه؛ كما تقدم في سب الدهر؛ لأن سب الريح وسب الدهر يرجعان إلى مسبة الخالق الذي دبر هذه الكائنات. ثم أرشدهم النبي صلى الله عليه وسلمعندما يرون ما يكرهون مما يأتي مع الريح بأن يتوجهوا إلى خالقهم وآمرها؛ ليسألوه من خيرها وخير ما فيها، ويستعيذوا من شرها وشر ما فيها؛ فما استجلبت نعمة إلا بطاعة الله وشكره، ولا استدفعت نقمة إلا بالالتجاء إلى الله والاستعاذة به. وأما سب هذه المخلوقات؛ ففيه مفاسد: منها: أنه سب ما ليس أهلاً للسب؛ فإنها مخلوقات مسخرة مدبرة. ومنها: أن سب هذه الأشياء متضمن ص -129- للشرك؛ فإنه إنما سبها لظنه أنها تضر وتنفع من دون الله. ومنها: أن السب إنما يقع على من فعل هذه الأفعال، وهو الله. وإذا قال العبد عند هبوب الريح ما أرشده إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "إذا رأيتم ما تكرهون؛ فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به"؛ فقد لجأ إلى الله خالق الريح ومدبرها ومصرفها، وهذا هو التوحيد والاعتقاد السليم الذي يخالف اعتقاد الجاهلية. وهكذا يكون المسلم دائما وأبدًا مع الأحداث؛ يرجعها إلى خالقها، ويسأله من خيرها، ولا يلقي باللوم عليها ويسبها ويفسرها بغير تفسيرها الصحيح، وليعلم أن ما أصابه من هذه الأحداث مما يكره إنما هو بتقدير من الله وتسليط لها عليه بسبب ذنوبه؛ كما قال تعالى:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}1، وقال تعالى:{اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً....}2 الآية وقال تعالى:{وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}3، وقال تعالى: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ}4. فالأمر كله راجع إلى الله؛ فالواجب حمده في الحالتين؛ حالة السراء وحالة الضراء، وحسن الظن به، والرجوع إليه بالتوبة والإنابة؛ كما قال تعالى:{وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}5، وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}6. هذا هو التفسير الصحيح لمجريات الأحداث؛ فالمؤمن يعلم أن ما أصابه مما يكره إنما هو بسبب ذنوبه، فيلقي باللوم على نفسه، لا على الدهر، ولا على -------------------------------- 1 سورة الشورى، الآية 30. 2 سورة الروم، الآية 48. 3 سورة آل عمران، الآية 140. 4 سورة النور، الآية 44. 5 سورة الأعراف، الآية 168. 6 سورة الأعراف، الآية 130. ص -130- الريح، فيتوب إلى الله، والكافر والفاسق أو الجاهل يلقي باللوم على هذه المخلوقات، ولا يحاسب نفسه، ولا يتوب من ذنبه كما قال الشاعر: يا دهر وَيحَكَ ما أبقَيتَ لي أحدا إذ أنت والِدُ سوءٍ تأكُلُ الوَلَد وقال آخر: قُبحا لِوَجهِكَ يَا زمانُ فإنَّهُ وُجهُ لَهُ في كُلِّ قُبحٍ بُرقُعُ تسأل الله العافية والبصيرة في دينه. 5- قول (لو) في بعض الحالات: ومن الألفاظ التي لا ينبغي التلفظ بها لأنها تخل بالعقيدة، وقد ورد النهي عنها بخصوصها: كلمة (لو) في بعض المقامات، وذلك عندما يقع الإنسان في مكروه، أو تصيبه مصيبة؛ فإنه لا يقول: لو أني فعلت كذا؛ ما حصل علي هذا، أو: لو أني لم أفعل؛ لم يحصل كذا؛ لما في ذلك من الإشعار بعدم الصبر والتأسف على ما فات مما لا يمكن استدراكه، ولما يشعر به هذا اللفظ من ضعف الإيمان بالقضاء والقدر، ولما في ذلك من إيلام النفس وتسليط الشيطان على الإنسان بالوساوس والهموم. والواجب بعد نزول المصائب التسليم للقدر والصبر على ما أصاب الإنسان، مع عمل الأسباب الجالبة للخير والواقية من الشر والمكروه بدون تلوم. وقد ذم الله الذين قالوا هذه الكلمة عند المصيبة التي حلت بالمسلمين في وقعة أحد؛ فقال تعالى:{يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا}1، هذه مقالة قالها بعض المنافقين يوم أحد لما حصل على المسلمين ما حصل من المصيبة، قالوها يعارضون القدر ويعتبون على -------------------------------- 1 سورة آل عمران، الآية 154. ص -131- النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين لخروجهم إلى العدو، فرد الله عليهم بقوله تعالى:{قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ}1؛ أي: هذا قدر مقدر من الله، لا بد أن يقع، ولا يمنع منه التحرز في البيوت والتلهف، وقول (لو) بعد نزول المصيبة لا يفيد إلا التحسر والحزن وإيلام النفس والضعف، مع تأثيره على العقيدة من حيث إنه يوحي بعدم التسليم للقدر. ثم ذكر سبحانه عن هؤلاء المنافقين مقالة أخرى، وذلك في قوله تعالى:{الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا}2، وهذه من مقالات بعض المنافقين يوم أحد - أيضا، ويروى أنه عبد الله بن أبي، يعارض القدر، ويقول: لو سمعوا مشورتنا عليهم بالقعود وعدم الخروج؛ ما قتلوا مع من قتل. فرد الله عليهم بقوله: {قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ}3؛ أي: إذا كان القعود وعدم الخروج يسلم به الشخص من القتل أو الموت؛ فينبغي أن لا تموتوا، والموت لا بد أن يأتي إليكم في أي مكان؛ فادفعوه عن أنفسكم إن كنتم صادقين في دعواكم أن من أطاعكم سلم من القتل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية لما ذكر مقالة ابن أبي هذه؛ قال: "فلما انخزل يوم أحد، وقال: يدع رأيي ورأيه ويأخذ برأي الصبيان "أو كما قال"؛ انخزل معه خلق كثير كان كثير منهم لم ينافق قبل ذلك؛ فألئك كانوا مسلمين، وكان معهم إيمان، هو الضوء الذي ضرب الله به المثل، فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق؛ لماتوا على الإسلام، وهؤلاء لم يكونوا من المؤمنين حقا، الذين امتحنوا فثبتوا على المحنة، ولا من المنافقين الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة.... " انتهى. والشاهد منه أن اللهج بكلمة (لو) عند حصول المصائب من سمات -------------------------------- 1 سورة آل عمران، الآية 154. 2آل عمران 168. 3آل عمران 168. ص -132- المنافقين الذين لا يؤمنون بالقضاء والقدر. فيجب على المؤمن الابتعاد عن التلفظ بهذه الكلمة عندما تصيبه محنة أو مكروه، وأن يعدل إلى الألفاظ الطيبة التي فيها الرضى بما قدر الله والصبر والاحتساب، وهي الألفاظ التي وجه إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله فيما رواه مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك،واستعن بالله، ولا تعجزن، وإن أصابك شيء؛ فلا تقل: لو أني فعلت؛ كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان". فقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى فعل الأسباب التي تنفع العبد في دنياه وآخرته مما شرعه الله لعباده من الأسباب الواجبة والمستحبة والمباحة، ويكون العبد في حال فعله السبب مستعينا بالله؛ ليتم له سببه وينفعه؛ لأن الله تعالى: هو الذي خلق السبب والمسبِّب، والجمع بين فعل السبب والتوكل على الله توحيد، ثم نهى عن العجز، وهو ترك فعل الأسباب النافعة، وهو ضد الحرص على ما ينفع، فإذا حرص على ما ينفعه وبذل السبب، ثم وقع خلاف ما أراد أو أصابه ما يكره؛ فلا يقل: لو أني فعلت كذا؛ لكان كذا؛ لأن هذه الكلمة لا تجدي شيئا، وإنما تفتح عمل الشيطان، وتبعث على التأسف ولوم القدر، وذلك ينافي الصبر والرضى، والصبر واجب، والإيمان بالقدر فرض. ثم أرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى اللفظ النافع المتضمن للإيمان بالقدر، وهو أن يقول: قدر الله وما شاء فعل؛ لأن ما قدر الله لا بد أن يكون، والواجب التسليم للمقدور، وما شاء الله فعل؛ لأن أفعاله لا تصدر إلا عن حكمة. قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: "والعبد إذا فاته المقدور له حالتان: حالة عجز: وهي عمل الشيطان، فليقيه العجز إلى (لو)، ولا فائدة فيها، بل هي ص -133- مفتاح اللوم. والحالة الثانية: النظر إلى المقدور وملاحظته، وأنه لو قدر؛ لم يفته، ولم يغلبه عليه أحد. فأرشد النبي صلى الله عليه وسلمإلى ما ينفعه حال حصول مطلوبه وحال فواته، ونهاه عن قول "لو"، وأخبره أنها تفتح عمل الشيطان؛ لما فيها من التأسف على ما فات والتحسر والحزن ولوم القدر؛ فيأثم بذلك، وذلك من عمل الشيطان، وليس هذا لمجرد لفظ"لو"، بل لما قارنها من الأمور القائمة بقلبه، المنافية لكمال الإيمان، الفاتحة لعمل الشيطان. فإن قيل: الرسول صلى الله عليه وسلمقد قال هذه الكلمة حينما أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، ولم يفسخ هو؛ لأنه ساق الهدي. فالجواب عن ذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت؛ ما سقت الهدي": خبر عن مستقبل، لا اعتراض فيه على قدر، بل هو إخبار لأصحابه أنه لو استقبل الإحرام بالحج؛ ما ساق الهدي،ولأحرم بالعمرة، قال ذلك لهم لما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة؛ حثا وتطييبا لقلوبهم، لما رآهم توقفوا في أمره؛ فليس هذا من المنهي عنه، بل هو إخبار لهم عما كان يفعل في المستقبل لو حصل، ولا خلاف في جواز ذلك، وإنما ينهى عن ذلك في معارضة القدر، ولله أعلم". فهذا الحديث الذي رواه أبو هريرة لا يستغني عنه العبد، وهو يتضمن إثبات القدر، وإثبات الكسب، والقيام بالعبودية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معنى هذا الحديث: "لا تعجز عن مأمور، ولا تجزع من مقدور". ص -134- الصبر ومنزلته في العقيدة: تقدم الكلام في النهي عن قول "لو"عندما يقع الإنسان في مصيبة، وأن الواجب عليه الصبر والاحتساب. قال الإمام أحمد - رحمه الله -: "ذكر الله تعالى الصبر في تسعين موضعا من كتابه". وفي الحديث الصحيح: "الصبر ضياء"، رواه أحمد ومسلم. وقال عمر - رضي الله عنه -: "وجدنا خير عيشنا بالصبر"، رواه البخاري.وقال علي - رضي الله عنه -: "إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد"، ثم رفع صوته وقال: "ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له". وقد روى البخاري ومسلم مرفوعا: "ما أعطي أحد عطاء خيرًا أوسع من الصبر". والصبر مشتق من صبر: إذا حبس ومنع؛ فهو حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي والتسخط، وحبس الجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب. وهو ثلاثة أنواع: 1- صبر على فعل ما أمر الله به. 2- وصبر على ترك ما نهى الله عنه. 3- وصبر على ماقدره الله من المصائب. قال الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}1 . -------------------------------- 1 سورة التغابن، الآية 11. ص -135- قال علقمة: "هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله؛ فيرضى ويسلم". وقال غيره في معنى الآية: أي: من أصابته مصيبة، فعلم أنها بقدر الله، فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله؛ هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدىً في قلبه ويقينا صادقا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه". وقال سعيد بن جبير:"{وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}؛ يعني: يسترجع، ويقول: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}1. وفي الآية الكريمة دليل على أن الأعمال من الإيمان، وعلى أن الصبر سبب لهداية القلوب، وأن المؤمن يحتاج إلى الصبر في كل المواقف: يحتاج إليه مع نفسه أمام أوامر الله ونواهيه؛ بإلزام نفسه بالتزامها. ويحتاج إلى الصبر في مواقف الدعوة إلى الله تعالى على ما يناله في سبيلها من مشقة وأذى، قال تعالى:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ...} إلى قوله:{وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاّ بِاللَّهِ}2. ويحتاج إلى الصبر في موقف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما يلاقيه من أذى الناس؛ قال تعالى عن لقمان:{يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ}3. والمؤمن بحاجة إلى الصبر أمام مواجهته المصائب التي تجري عليه؛ بأن يعلم أنها من عند الله؛ فيرضى، ويسلم، ويحبس نفسه عن الجزع والتسخط -------------------------------- 1 سورة البقرة، الآية 156. 2 سورة النحل، الآيات 125 ـ 127. 3 سورة لقمان، الآية 17. ص -136- الذي قد يظهر على اللسان والجوارح، وهذا من صميم العقيدة؛ لأن الإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستة، وثمرته الصبر على المصائب، فمن لم يصبر على المصائب؛ فهذا دليل على فقدان هذا الركن أو ضعفه لديه، ومن ثم سيقف أمام المصائب موقف الجزع والتسخط، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلمأن هذا كفر يخل بالعقيدة الإسلامية: ففي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة - رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت"؛ فهاتان الخصلتان من خصال الكفر؛ لأنهما من أعمال الجاهلية، بين الكفر المعرف باللام كما في قوله صلى الله عليه وسلم : "ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك الصلاة"، وبين "كفر"منكرًا؛ كما في هذا الحديث. وفي "الصحيحين": "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية". وقوله في الحديث: "ودعا بدعوى الجاهلية"؛ قال ابن القيم: "الدعاء بدعوى الجاهلية كالدعاء إلى القبائل والعصبية، ومثله التعصب إلى المذاهب والطوائف والمشايخ، وتفضيل بعضهم على بعض؛ يدعو إلى ذلك، ويوالي عليه، ويعادي؛ فكل هذا من دعوى الجاهلية..." انتهى. والله - سبحانه - يجري المصائب على عباده لحكم عظيمة؛ منها أنه يكفر بها خطاياهم؛ كما في حديث أنس؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: "إذا أراد الله بعبده الخير؛ عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد به الشر؛ أمسك عنه بذنبه، حتى يوافي به يوم القيامة"، رواه الترمذي وحسنه الحاكم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "المصائب نعمة؛ أنها مكفرات ص -137- للذنوب، وتدعوا إلى الصبر؛ فيثاب عليها، وتقتضى الإنابة إلى الله والذل له والإعراض عن الخلق... إلى غير ذلك من المصالح العظيمة؛ فنفس البلاء يكفر الله به الذنوب والخطايا، وهذا من أعظم النعم، فالمصائب رحمة ونعمة في حق عموم الخلق؛ إلا أن يدخل صاحبها بسببها في معاص أعظم مما كان قبل ذلك، فيكون شرًا عليه من جهة ما أصابه في دينه؛ فإن من الناس من إذا ابتلى بفقر أو مرض أو وجع؛ حصل له من النفاق والجزع ومرض القلب والكفر الظاهر وترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات ما يوجب له الضرر في دينه؛ فهذا كانت العافية خيراً له من جهة ما أورثته المصيبة، لا من جهة نفس المصيبة؛ كما أن من أوجبت له المصيبة صبراً وطاعة؛ كانت في حقه نعمة دينية؛ فهي بكونها فعل الرب - عز وجل - رحمة للخلق، والله تعالى محمود عليها، فمن ابتلى فرزق الصبر؛ كان الصبر عليه نعمة في دينه، وحصل هل بعد ما كفر من خطاياه رحمة، وحصل له ثناء ربه عليه؛ قال تعالى:{أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ}1، وحصل له غفران السيئات ورفع الدرجات، فمن قام بالصبر الواجب؛ حصل له ذلك" انتهى. ومن الحكم الإلهية في إجراء المصائب ابتلاء العباد عند وقوعها من يصبر ويرضى ومن يجزع ويسخط؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي؛ فله الرضى، ومن سخط؛ فله السخط"، رواه الترمذي وحسنه. والرضى هو أن يسلم العبد أمره إلى الله، ويحسن الظن به، ويرغب في ثوابه. والسخط: هو الكراهية للشيء، وعدم الرضى به؛ أي: من سخط على الله فيما دبره؛ فله السخط من الله. -------------------------------- 1 سورة البقرة، الآية 157. ص -138- وفي هذا الحديث أن الجزاء من جنس العمل، وفيه إثبات الرضى من الله - سبحانه - على ما يليق به كسائر صفاته، وفيه بيان الحكمة في إجراء المصائب على العباد، وفيه إثبات القضاء والقدر، وأن المصائب تجري بقضاء الله وقدره، وفيه مشروعية الصبر على المصائب، والرجوع إلى الله، والاعتماد عليه وحده في كل ملمة، ودفع كل مكروه. وقد أمر الله بالاستعانة بالصبر والصلاة على ما يواجه الإنسان في هذه الحياة من متاعب ومشاق؛ لأن من وراء ذلك الخير والعاقبة الحميدة، وأخبر أنه مع الصابرين بنصره وتأييده؛ قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}1؛ مما يدل على أهمية الصبر وحاجة المؤمن إليه، وهو من مقومات العقيدة. نسأل الله - عز وجل - أن يرزقنا الصبر والاحتساب، وأن يمن علينا بالتوفيق والهداية. بيان ألفاظ لا يجوز أن تقال في حق الله تعالى تعطيلاً لشأنه: الله جل وعلا عظيم، يجب أن يعظم، وهناك ألفاظ لا يجوز أن تقال في حقه - سبحانه - تعظيما له، وقد ورد النهي عنها. 1- ومن هذه الألفاظ: أنه لا يقال: "السلام على الله"؛ لأن السلام دعاء للمسلم عليه بطلب السلامة له من الشرور، والله - سبحانه - يطلب منه ذلك، ولا يطلب، ويدعى ولا يدعى له؛ لأنه الغني، له ما في السماوات والأرض، وهو السالم من كل عيب ونقص، ومانح السلامة ومعطيها، وهو السلام، ومنه السلام. في "الصحيح"عن ابن مسعود - رضي الله عنه؛ قال: "كنا إذا كنا مع رسول -------------------------------- 1 سورة البقرة، الأية 153. ص -139- الله صلى الله عليه وسلمفي الصلاة؛ قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان وفلان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تقولوا السلام على الله؛ فإن الله هو السلام"؛ أي: إن الله سالم من كل نقص. قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: "السلام مصدر، وهو من ألفاظ الدعاء، يتضمن الإنشاء والإخبار؛ فجهةالإخبارية تناقض الجهة الإنشائية، وهو معنى السلام المطلوب عند التحية...". إلى أن قال: "والمقام لما كان مقام طلب السلامة التي هي أهم عند الرجل أتى في طلبها بصيغة اسم من أسماء الله - تعالى، وهو السلام، الذي تطلب منه السلامة؛ فتضمن معنيين: أحدهما: ذكر الله... والثاني: طلب السلامة، وهو مقصود المسلم". 2- ومن الألفاظ التي لا تقال في حق الله تعالى:"اللهم اغفر لي إن شئت"؛ فطلب الحاجة من الله لا يعلق على المشيئة؛ وإنما يجزم به. وفي (الصحيح)عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئتن ليعزم المسألة؛ فإن الله لا مكره له"، ولمسلم: "وليعظم الرغبة؛ فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه". والنهي عن ذلك لأمرين: الأول: أن الله - سبحانه - لا مكره له على الفعل، وإنما هو يفعل ما يريد؛ بخلاف العبد؛ فإنه قد يفعل الشيء وهو كاره، ولكن يفعله لخوف أو رجاء من أحد، والله ليس كذلك. الثاني: أن التعليق على المشيئة يدل على فتور في الطلب وقلة رغبة فيه، ص -140- فإن حصل، وإلا؛ استغنى عنه، وهذا يدل على عدم الافتقار إلى الله. وفي رواية مسلم الأمر بتعظيم الطلب؛ لأن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه؛ أي: لا يكبر عليه - سبحانه - ولا يعسره، وليس عنده بعظيم، وإن عظم في نفس المخلوق، وذلك لكمال فضله وجوده وسعة غناه؛ فهو يعطي العظائم، ولا يعجزه شيء: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}1 . 3- ومن الألفاظ التي لا تقال في حق الله تعالى: الإقسام على الله إذا كان على جهة الحجر عليه أن لا يفعل الخير. عن جندب بن عبد الله - رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان. فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى عليَّ أن لا أغفر لفلان، إني قد غفرت له وأحبطت عملك"، رواه مسلم. التألي: من الأليةَّ - بتشديد الياء، ومعنى "يتألى": يحلف. وقوله: "من ذا الذي": استفهام إنكار. وهذا الرجل أساء الأدب مع الله، وحكم عليه، وقطع أنه لا يغفر لهذا المذنب؛ فكأنه حكم على الله - سبحانه، وهذا من جهله بمقام الربوبية، واغتراره بنفسه وبعمله، وإدلاله بذلك؛ فعومل بنقيض قصده، وغفر لهذا المذنب بسببه، وأحبط عمله بسبب هذه الكلمه السيئة التي قالها، مع أنه كان عابدًا. قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: "تكلم بكلمة أو بقت دنياه وآخرته". ففي الحديث وجوب التأدب مع الله سبحانه في الأقوال والأفعال، وتحريم الإدلال على الله والإعجاب بالنفس واحتقار الآخرين، وتحريم الحلف على الله إذا كان على جهة الحجر عليه أن لا يفعل الخير بعباده. -------------------------------- 1 سورة يس، الآية 82. ص -141- أما إذا كان الحلف على الله جهة حسن الظن به - سبحانه، ورجاء الخير منه؛ فهذا جائز؛ كما جاء في الحديث: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله؛ لأبره". وفي حديث جندب بيان خطر اللسان ووجوب التحفظ منه. وعن معاذ - رضي الله عنه؛ "قلت: يا رسول الله!وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟!"، رواه الترمذي وصححه. ومما سبق أنه يجب التحفظ في الألفاظ، والابتعاد عن اللفظ الذي فيه سوء أدب مع الله سبحانه؛ لأن هذا يخل بالعقيدة، وينقص التوحيد؛ فلا يقال: السلام على الله؛ لأنه هو السلام سبحانه، ولأن السلام على أحد دعاء له بالسلام، والله سبحانه يُدعى له، ولا يقال: اللهم اغفر لي وارحمني إن شئت... ونحو ذلك، بل كل دعاء يؤتى به على سبيل الجزم؛ بلا تعليق بالمشيئة؛ لأن الله يفعل ما يشاء، ولا مكره له، وإنه لا يقسم على الله أن لا يرحم فلانا أو يغفر لفلان؛ لأن هذا حظر ومنع لرحمة الله وسوء ظن بالله - عز وجل؛ كما أنه لا يجوز أن يقال: ما شاء الله وشاء فلان، وإنما يقال: ما شاء الله ثم فلان؛ لأن العطف بالواو يقتضي المشاركة، ولا أحد يشارك الله - سبحانه - ويساويه في أمر من الأمور، وأما العطف ب (ثم)؛ فإنه يقتضي الترتيب والتبعية، فتكون مشيئة المخلوق تابعة لمشيئة الله سبحانه وحاصلة بعدها، وليست مشاركة لها. وكل هذا مما يؤكد على المسلم وجوب دراسة العقيدة ومعرفة ما يصححها وما يخل بها؛ حتى يكون على بينة من أمره، وحتى لا يقع في المحذور وهو لا يشعر. وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح. ص -142- ثالثاً: توحيد الأسماء والصفات. تقدم أن بيَّنا أن التوحيد ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. وقد تكلمنا فيما سبق عن النوعين الأولين منه، وهما توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؛ لأن كل نوع من هذه الأنواع جحده طائفة من البشر . فتوحيد الربوبية جحده المعطلة الذين أنكروا وجود الله؛ كالدهرية، والملاحدة، ومنهم الشيوعية في عصرنا الحاضر، وإن كان جحودهم له إنما هو في الظاهر مكابرة منهم، وإلا؛ فهم يقرون به في الباطن وفي قرارة أنفسهم؛ إذ لا يعقل وجود مخلوق بدون خالق. والقسم الثاني: - وهو توحيد الألوهية - جحده أكثر الخلق، وهو الذي بعث الله رسله وأنزل كتبه بالدعوة إليه، وقد جحده المشركون قديما وحديثا، وجحودهم له يتمثل بعبادة الأشجار والأحجار والأصنام والقبور والأضرحة وعبادة مشايخ الصوفية باعتقاد النفع والخير فيهم من دون الله - عز وجل - ممن ينتسبون إلى الإسلام زورًاوبهتانا. والقسم الثالث - وهو توحيد الأسماء والصفات، ويعني إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله من صفات الكمال، ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله من صفات النقص، على حد قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}1. وهذا القسم قد جحده الجهمية وتلاميذهم من المعتزلة والأشاعرة، وهو في الحقيقة داخل في توحيد الربوبية، لكن لما كثر منكروه وروجوا الشبه حوله؛ -------------------------------- 1 سورة الشورى، الآية 11. ص -143- أفرد البحث، وجعل قسما مستقلاً، وألفت فيه المؤلفات الكثيرة؛ فألف الإمام أحمد رده المشهور على الجهمية، وألف ابنه عبد الله كتاب (السنة)، وألف عبد العزيز الكناني كتاب (الحيدة) في الرد على بشر المريسي، وألف أبو عبد الله المروزي كتاب (السنة)، وألف عثمان بن سعيد كتاب (الرد على بشر المريسي)، وألف إمام الأئمة محمد بن خزيمة كتاب (التوحيد)، وألف غير هؤلاء كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الردود على هؤلاء ومن جاء بعدهم وسار على نهجهم؛ فلله الحمد والمنة على بيان الحق ودحض الباطل. وأول من عرف عنه إنكار الصفات بعض مشركي العرب الذين أنزل الله فيهم قوله: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ}1. وسبب نزول هذه الآية أن قريشا لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلميذكر الرحمن؛ أنكروا ذلك؛ فأنزل الله فيهم: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ}. وذكر ابن جرير أن ذلك كان في صلح الحديبية حين كتب الكاتب: {بسم الله الرحمن الرحيم}؛ قالت قريش: أما الرحمن؛ فلا نعرفه. روى ابن جرير - أيضا - عن ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ساجدًا يقول: "يا رحمن! يا رحيم!". فقال المشركون: هذا يزعم أنه يدعو واحدًا، وهو يدعو مثنى. فأنزل الله: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى}2، وقال تعالى في سورة الفرقان: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ}3 . فهؤلاء هم سلف الجهمية والأشاعرة في إنكار أسماء الله وصفاته، وبئس السلف لبئس الخلف: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً}4. -------------------------------- 1 سورة الرعد، الآية 30. 2 سورة الإسراء، الآية 110. 3 سورة الفرقان، الآية 60. 4 سورة الكهف، الآية 50. ص -144- أما الرسل وأتباعهم - خصوصا محمدًا صلى الله عليه وسلموصحابته الكرام والذين اتبعوهم بإحسان؛ فهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، وينكرون على من يخالف هذا المنهج. فقد روى عبد الرازق عن معمر عن طاووس عن أبيه عن ابن عباس؛ أنه رأى رحلاً انتفض لما سمع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات؛ استنكار لذلك؛ فقال: "ما فرق هؤلاء؟، يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه؟!"؛ يشير رضي الله عنه إلى أناس يحضرون مجلسه من عامة الناس؛ بأنهم إذا سمعوا شيئا من نصوص الصفات، وهي من المحكم؛ حصل معهم فرق - أي: خوف، وانتفضوا كالمنكرين لها، فهم كالذين قال الله فيهم: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ}1، فيدعون المحكم، ويتبعون المتشابه، ويؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض. ونصوص الصفات من المحكم لا من المتشابه، يقرؤها المسلمون ويتدارسونها، ويفهمون معناها ولا ينكرون منها شيئا. قال وكيع: "أدركنا الأعمش وسفيان يحدثون بهذه الأحاديث [ يعني: أحاديث الصفات ] ولا ينكرونها..." انتهى. وإنما ينكرها المبتدعة من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، الذين ساروا على منهج مشركي قريش، الذين يكفرون بالرحمن، ويلحدون في أسماء الله، وقد قالتعالى: {وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}2؛ فأثبت لنفسه الأسماء الحسنى، وأمر أن يُدعى بها، وكيف يُدعى بما لا يسمى به ولا يفهم معناه على زعم هؤلاء؟! وتوعد الذين يلحدون في أسمائه فينفونها عنه أو يؤولونها عن -------------------------------- 1 سورة آل عمران، الآية 7. 2 سورة الأعراف، الآية 180. ص -145- معانيها الصحيحة؛ بأنه سيجزيهم على عملهم بالعقاب والعذاب؛ كما وصفهم بالكفر في قوله تعالى: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ}1؛ فلهذا كفَّر الجهمية كثير من أهل السنة: قال العلامة ابن القيم - رحمه الله -: ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان واللالكائي الإمام حكاه عنـ ـهم بل حكاه قبله الطبراني وجوب احترام أسماء الله سبحانه وتعالى: قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}2، وقال تعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى}3. يخبر تعالى أن أسماءه حسنى؛ أي: حسان، قد بلغت الغاية في الحسن؛ فلا أحسن منها؛ لما تدل عليه من صفات الكمال ونعوت الجلال؛ فهي أحسن الأسماء وأكملها، وأسماؤه سبحانه توقيفية؛ فلا يجوز لنا أن نسميه إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله صلى الله عليه وسلم . وقوله تعالى: {فَادْعُوهُ بِهَا}؛ أي: اسألوه وتوسلوا إليه بها؛ كما تقول: اللهم اغفر لي وارحمني؛ إنك أنت الغفور الرحيم. وأسماؤه - سبحانه - كثيرة؛ لا تحصر ولا تحد بعدد، منها ما استأثر الله بعلمه؛ فلا يعلمه ملك مقرَّب ولا نبيُّ مرسل؛ كما في الحديث الصحيح: "أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك". قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: "فجعل أسماءه ثلاثة أقسام: قسم سمى ---------------------- 1 سورة الرعد، الآية 30. 2 سورة الأعراف، الأية 180. 3 سورة طه، الآية 8. ص -146- به نفسه؛ فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم، ولم ينزل به كتابه. وقسم أنزل به كتابه، وتعرف به إلى عباده. وقسم استأثر به في علم غيبه؛ فلم يطلع عليه أحدًا من خلقه". وقوله تعالى: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ}؛ أي: أعرضوا عنهم واتركوهم؛ فإن الله سيتولى جزاءهم، ولهذا قال: {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. ومعنى: {يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ}؛ أي: يميلون بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها، والإلحاد بأسماء الله أنواع: أحدها: أن يسمى بها الأصنام كتسميتهم (اللات) من الإله، و(العزى) من العزيز، وتسميتهم الصنم إلها. الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله؛ كتسمية النصارى له أبا، وتسمية الفلاسفة له موجبا بذاته، أو علة فاعلة الطبع. الثالث: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص؛ كقول أخبث اليهود: إنه فقير، وإنه استراح يوم السبت، وقولهم: يد الله مغلولة. والرابع: تعطيل الأسماء الحسنى عن معانيها وجحد حقائقها؛ كقول الجهمية وأتباعهم: أنها ألفاظ مجرة، لا تتضمن صفات ولا معاني؛ فيطلقون عليه اسم السميع البصير، ويقولون: لا سمع له ولا بصر؛ مثلاً، وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلاً وشرعا، وهو يقابل إلحاد المشركين؛ فإن المشركين أعطوا من أسمائه وصفاته لآلهتهم، وهؤلاء سلبوا كماله وعطلوا أسماءه وصفاته. والواجب إثبات أسمائه واعتقاد ما تدل عليه من صفات كماله ونعوت جلاله؛ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، على حد قوله ص -147- - سبحانه -: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}1. والواجب احترام أسمائه من أن يسمى بها غيره، وذلك من تحقيق التوحيد. فعن أبي شريح؛ أنه كان يكنى أبا الحكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "إن الله هو الحكم، وإليه الحكم. فقال: إن قومي كانوا إذا اختلفوا في شيء؛ أتوني، فحكمت بينهم، فرضى كلا الفريقين. فقال: ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟" قلت: شريح ومسلم وعبد الله. قال: فمن أكبرهم؟. قلت: شريح. قال: فأنت أبو شريح". رواه أبو داود وغيره. فغيَّر النبي صلى الله عليه وسلمكنيته من أجل احترام أسماء الله؛ لأن الله هو الحكم على الإطلاق؛ قال تعالى: {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ}2، وهو الحكم في الدنيا والآخرة، يحكم في الدنيا بين خلقه بوحيه الذي أنزله على أنبيائه، ويحكم بينهم يوم القيامة بعلمه فيما اختلفوا فيه، وينصف المظلوم من الظالم. وفي هذا الحديث دليل المنع من التسمي بأسماء الله= المختصة به، والمنع مما يوهم عدم الاحترام لها؛ كالتكني بأبي الحكم ونحوه. ومن احترام أسماء الله أن لا يقول الإنسان لمملوكه: عبدي وأمتي؛ لما في ذلك من إيهام المشاركة في الربوبية. وفي (الصحيح) عن أبي هريرة - رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال: "لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضىء ربك. وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي. وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي". فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلمعن هذه الألفاظ (ربك)، (عبدي)، (أمتي)؛ لأنها -------------------------------- 1 سورة الشورى، الآية 11. 2 سورة الرعد، الآية 41. ص -148- توهم التشبيك مع الله، وسدّاً للذريعة، وحسما لمادة الشرك، وأرشد المالك أن يقول: فتاي وفتاتي، والعبد أن يقول: سيدي ومولاي. ومن احترام أسماء الله - سبحانه - أنه لا يرد من سأل بالله. عن عمر - رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من استعاذ بالله؛ فأعيذوه، ومن سأل بالله؛ فأعطوه". لأن منع من سأل على عدم إجلال الله، وفي إعطائه دليل على تعظيم الله والتقرب إليه - سبحانه -. ومن احترام الله تعالى أنه لا يسُأل بوجه الله - تعالى؛ إلا الجنة؛ إجلالاً لله، وإكراما له، وتعظيما له. عن جابر - رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله: "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة"، رواه داو؛ فلا يسأل بوجه الله تعالى ما هو حقير من حوائج الدنيا، وإنما به ما هو غاية المطالب، وهو الجنة، أو ما هو وسيلة إلى الجنة مما يقرب إليها من قول أو عمل. ومن احترم أسماء الله: أن لا يكثر الحلف بها؛ قال الله تعالى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ}1. قال ابن عباس: "يريد لا تحلفوا؛ لأن كثرة الحلف تدل على الاستخفاف بالله، وعدم التعظيم له، وذلك مما ينافي كمال التوحيد الواجب". وعن سلمان - رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليهم: أشيمط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته؛ لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه"، رواه الطبرابي بسند صحيح. -------------------------------- 1 سورة المائدة، الآية 89. ص -149- ومعنى: "جعل الله بضاعته"؛ أي: جعل الحلف بالله بضاعته؛ ففيه شدة الوعيد على كثرة الحلف؛ لأن ذلك يدل على الاستخفاف بحق الله تعالى وعدم احترام أسمائه. ومن إجلال الله وتعظيمه أنه لا يستشفع به على خلقه؛ لما في ذلك من تنقصه - سبحانه؛لأنالمستشفَع به يكون أقل درجة من المشفوع عنده. قال الإمام الشافعي - رحمه الله -: "إنما يشفَعُ عند من هو أعلى منه، تعالى الله عن ذلك". وقد جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشكى إليه القحط وهلاك الأموال، وطلب منه أن يستسقي لهم، وقال: "فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله". فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "سبحان الله! أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك، وأنه لا يستشفع بالله على أحد من خلفه"، رواه أبو داوه؛ فشأن الله عظيم، وهو ذلك يشفع عنده بإذنه - سبحانه -. منهج أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته: منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة الذين هم الفرقة الناجية في أسماء الله وصفاته إثباتها؛ كما جاءت في الكتاب والسنة، مع اعتقاد ما دلت عليه، وأنها على ظاهرها، ولا يلزم من إثباتها تشبيه الله بخلقه، تعالى الله عن ذلك؛ لأن صفات الخالق تخصه وتليق به، وصفات المخلوقين تليق بهم وتخصهم، ولا تشابه بين الصفتين، كما أنه لا تشابه بين ذات الخالق - سبحانه - وذات المخلوق. ومذهب أهل السنة والجماعة في ذلك ينبني على أسس سليمة وقواعد مستقيمة، وهذه الأسس هي: ص -150- أولاً: أن أسماء الله وصفاته توقيفية؛ بمعنى أنهم لا يثبتون لله إلا ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله في سنته من الأسماء والصفات، ولا يثبتون شيئا بمقتضى عقولهم وتفكيرهم، ولا ينفون عن الله إلا ما نفاه عن نفسه في كتابه أو نفاه عنه رسول في سنته، لا ينفون عنه بموجب عقولهم وأفكارهم؛ فهم لا يتجاوزون الكتاب والسنة، وما لم يصرح الكتاب والسنة بنفيه ولا إثباته؛ كالعرض والجسم والجوهر؛ فهم يتوقفون فيه؛ بناء على هذا الأصل العظيم. ثانيا: أن ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسول صلى الله عليه وسلم؛ فهو حق على ظاهره، ليس فيه أحاج ولا ألغاز، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه؛ فأهل السنة يثبتون ألفاظ الصفات ومعانيها؛ فليس ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسول صلى الله عليه وسلممن المتشابه الذي يفوَّض معناه؛ لأن اعتبار نصوص الصفات مما لا يفهم معناه يجعلها من الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، والله تعالى قد أمرنا بتدبر القرآن كله، وحضنا على تعقله وتفهمه، وإذا كانت نصوص الصفات مما لا يفهم معناه؛ فيكون الله قد أمرنا بتدبر وتفهم ما لا يمكن تدبره وتفهمه، وأمرنا باعتقاد ما لم يوضحه لنا، تعالى الله عن ذلك. إذاً؛ فمعاني صفات الله تعالى: معلومة يجب اعتقادها، وأما كيفيتها؛ فهي مجهولة لنا، لا يعلمها إلا الله - تعالى، ولهذا يقول الإمام مالك بن أنس - رضي الله عنه - لما سئل عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}1؛ كيف استوى؟ قال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". وما قال الإمام مالك في الاستواء هو قاعدة في جميع الصفات، وهو قول أهل السنة والجماعة قاطبة، فمن نسب إلى السلف أنهم يفوضون معاني الأسماء والصفات، ويجعلون نصوصها من المتشابه الذي استأثر الله بعلم -------------------------------- 1 سورة طه، الآية 5. ص -151- معناه؛ فقد كذب عليهم؛ لأن كلامهم يخالف ما يقوله هذا المفتري. ثالثا: السلف يثبتون الصفات إثباتا بلا تمثيل؛ فلا يمثلونها بصفات المخلوقين؛ لأن الله ليس كمثله شيء، ولا كفء له، ولا ند له، ولا سمي له، ولأن تمثيل الصفات وتشبيهها بصفات المخلوقين ادعاء لمعرفة كيفيتها، وكيفيتها مجهولة لنا مثل كيفية الذات؛ لأن العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، والله تعالى لا يعلم كيفية ذاته إلا هو. والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أن لله ذاتا لا تشبه الذوات؛ فكذلك له صفات لا تشبه الصفات {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}1؛ أي: لا يشبهه أحد لا في ذاته ولا صفاته ولا في أفعاله؛ فيجب الإيمان بما وصف الله به نفسه؛ لأنه لا أحد أعلم من الله بالله، {أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ}2؛ فهو أعلم بنفسه وبغيره. كما يجب الإيمان بما وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا أحد بعد الله أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال في حقه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى}3؛ فيلزم كل مكلف أن يؤمن بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، وينزه ربه جل وعلا من أن تشبه صفته صفة الخلق. فمن قدم بين يدي الله ورسوله وتجرأ على الله، فنفى عنه ما أثبته لنفسه من الصفات العظيمة وما وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: هذا الذي وصفت به نفسك ووصفك به رسولك لا يليق بك وفيه من النقص كذا وكذا؛ فأنا أؤوله وألغيه وآتي ببدله من تلقاء نفسي؛ كما قال بعضهم: وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها فلا أرجع إلى كتابك ولا إلى سنة نبيك في ذلك؛ لأن ما فيهما يوهم التشبيه، وإنما أرجع إلى قواعد المتكلمين وأقاويل الجهمية والمعتزلة والأشاعرة -------------------------------- 1 سورة الشورى، الآية 11. 2 سورة البقرة، الآية 140. 3 سورة النجم، الآية 3. ص -152- والماتريدية!! فهل يكون يا عباد الله هذا مؤمنا بالله وبكتابه وسنة رسوله؟! وهل يكون هذا معظما لربه؟! سبحانك هذا بهتان عظيم. رابعا: وكما أن أهل السنة والجماعة يثبتون لله الصفات التي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله على وجه يليق بجلاله ولا يشبهونه بخلقه؛ فهم ينزهونه عن النقائض والعيوب تنزيها لا يفضي بهم إلى التعطيل بتأويل معانيها أو تحريف ألفاظها عن مدلولها بحجة التنزيه؛ فمذهبهم في ذلك وسط بين طرفي التشبيه والتعطيل، تجنبوا التعطيل في مقام التنزيه وتجنبوا التشبيه في مقام الإثبات. خامسا: وطريقة أهل السنة والجماعة فيما يثبتون لله من الصفات وما ينفون عنه من النقص هي طريقة الكتاب والسنة، وهي الإجمال في النفي والتفصيل في الإثبات؛ كما في قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}1؛ فأجمل في النفي وهو قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وفصل في الإثبات وهو قوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. وكل نفي في صفات الله؛ فإنه يتضمن إثبات الكمال، وليس هو نفيا محضا، لأن النفي المحض ليس فيه مدح لأنه عدم محض والعدم ليس بشيء. ومن أمثلة النفي المتضمن لإثبات الكمال؛ قوله تعالى: {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}2؛ أي: لكمال عدله - سبحانه -. وقوله: {وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا}3؛ أي: لكمال قدرته وقوته. وقوله: {لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ}4؛ أي: لكمال حياته وقيوميته. وهكذا كل نفي عن الله؛ فإنه يتضمن إثبات ضد المنفي من الكمال والجلال. هذا ونسأل الله البصيرة في دينه والعمل بطاعته ومعرفة الحق والعمل به. -------------------------------- 1 سورة الشورى، الآية 11. 2 سورة الكهف، الآية 49. 3 سورة البقرة، الآية 255. 4 سورة البقرة، الآية 255. ص -153- منهج الجهمية وتلاميذهم في أسماء الله وصفاته: يجب على المسلم إثبات أسماء الله وصفاته على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته على وفق ما جاء في الكتاب والسنة؛ لأن هذا يدخل في باب الإيمان بالله - عز وجل، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، متخذين كتاب الله وسنة رسوله الدليل والمرجع في ذلك، عكس ما عليه الجهمية وتلاميذهم من المعتزلة والأشاعرة الذين ينفون ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، أو ينفون بعضا منها ويثبتون البعض الآخر تحكما منهم، ويجعلون مرجعهم في ذلك ما قررته عقولهم القاصرة أو قرره لهم أئمة الضلال، وفرق بين من جعل دليله الكتاب والسنة ومن جعل دليله نحاتة الأفكار وزبالة الأذهان، كما يقوله واحد منهم: وكُل نص أوهم التشبيها أَوَّله أو فوَّض وَرُم تَنزِيها هذا تعاملهم مع نصوص الكتاب والسنة في باب أسماء الله وصفاته، التأويل هو صرف هذه النصوص عما دلت عليه من المعاني الجليلة إلى ما تقرره عقولهم من الأفكار العقيمة والآراء الباطلة، وما عجزت عنه عقولهم؛ فوضوه واعتقدوا خلاف ما يدل عليه، سبحانك ربي! ما أعظم شأنك! وما أحلمك على عبادك. إنهم نفوا عنك ما أثبته لنفسك من صفات الكمال ونعوت الجلال وخالفوا كتابك، وقدموا ما أملته عليهم عقولهم على ما أنزلته في كتابك، نفوا عنك أسماءك وصفاتك، ونفوا عن كتابك حجيته وهدايته. قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - في هؤلاء: "ومن يظن أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل وتشبيه وتمثيل، وترك الحق لم يخبر به، وإنما رمز إليه رموزًا بعيدة وأشار إليه إشارات ملغزة ولم يصرح به وصرح دائما بالتشبيه والتمثيل الباطل، وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم وقواهم وأفكارهم في تحريف ص -154- كلامه عن مواضعه وتأويله على غير تأويله، ويتطلبوا له وجوه الاحتمالات المستكرهة والتأويلات التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالكشف والبيان، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم لا على كتابة، بل أراد منهم أن يحملوا كلامه على ما يعرفونه من خطابهم ولغتهم، مع قدرته على أن يصرح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به ويريحهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل؛ فلم يفعل، بل سلك بهم خلاف طريق الهدى والبيان؛ فقد ظن به ظن السوء، فإنه إن قال: إنه غير قادر على التعبير عن الحق باللفظ الصريح الذي عبَّر به هو وسلفه؛ فقد ظن بقدرته العجز. وإن قال: إنه قادر ولم يبين وعدل عن البيان وعن التصريح بالحق إلى ما يوهم، بل يوقع في الباطل المحال والاعتقاد الفاسد؛ فقد ظن بحكمته ورحمته ظن السوء. ومن ظن أنه هو وسلفه عبروا عن الحق بصريحه دون الله ورسوله، وأن الهدى والحق في كلامهم وعباراتهم، وأما كلام الله؛ فإنما يؤخذ من ظاهره التشبيه والتمثيل والضلال، وظاهر كلام المتهوكين والحيارى هو الحق والهدى؛ فهذا من أسوأ الظن بالله..." إلى أن قال: "ومن ظن أنه لا سمع له ولا بصر ولا علم ولا إرادة ولا كلام يقول به، وأنه لم يكلم أحدًا من الخلق، ولا يتكلم أبداً، ولا قال ولا يقول، ولا له أمر ولا نهي يقوم به؛ فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن به أنه ليس له فوق سماواته على عرشه بائنا من خلقه، وأن نسبة ذاته إلى عرشه كنسبتها إلى أسفل السافلين؛ فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه..." انتهى كلامه - رحمه الله -. وهو يعني به أولئك الذين يفوا ما أثبته الله لنفسه من صفات الكمال من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، ومعلوم أن من نفى عن الله صفات الكمال؛ فقد أثبت له أضدادها من صفات النقص، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيرا. ثم يلزم من هذا أن يكون هؤلاء الضلال أعلم بالله وما يستحقه من الله؛ لأهم نفوا عنه ما أثبته لنفسه، وزعموا أنه لا يليق به! وأي ضلال أعظم من ص -155- هذا؟ وأي جرأة على الله أعظم من هذه الجرأة ! ويلزم من ذلك - أيضا - أن يكونوا أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلمأثبت لله هذه الصفات، وهم نفوها وقالوا: إنها لا تليق بالله! وأي ضلال أعظم من هذا الضلال لو كانوا يعقلون؟! كيف يكون هؤلاء الجهال الضلال أعلم بالله من نفسه، تعالى الله عما يقولون، والله تعالى يقول: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً}1، ولا أحد من الخلق أعلم بالله وما يستحقه وما يليق به من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! إن الذي حمل الجهمية وأتباعهم على نفي صفاتالله - عز وجل - هو جهلهم بالله وسوء أفهامهم، حيث ظنوا أنه يلزم من إثبات هذه الصفات التي أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسوله؛ يلزم منها التشبيه؛ لأنهم يرون هذه الصفات في المخلوقين، ولا يفرقون بين صفات الخالق وصفات المخلوق، ولم يفهموا من صفات الخالق إلا ما فهموا من صفات المخلوقين، ولم يعلموا أن صفات الخالق سبحانه تخصه به وصفات المخلوقين تخصهم وتليق بهم، ولا تشابه بين صفات الخالق وصفات المخلوق، كما أنه لا تشابه بين ذات الخالق وذوات المخلوقين؛ كما قال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}2؛ فأثبت لنفسه السمع والبصر، ونفى عنه مشابهة الأشياء، فدل ذلك على إثبات الصفات لا يلزم منه المشابهة بين الخالق والمخلوق. وهذا هو الأصل الذي سار عليه أهل السنة والجماعة في إثبات أسماء الله وصفاته؛ أثبتوا له ما أثبته لنفسه بلا تمثيل ونزهوه عما نزه نفسه عنه بلا تعطيل. أما الجهمية وتلاميذهم من المعتزلة والأشاعرة؛ فإنهم بنوا مذهبهم على أصل باطل أصلوه من عند أنفسهم، وهو أن إثبات هذه الصفات يقتضي -------------------------------- 1 سورة طه، الآية 110. 2 سورة الشورى، الآية 11. ص -156- التشبيه، فيلزم حيال النصوص الواردة بذلك أحد أمرين عندهم: إما تأويلها عن ظاهرها، وإما تفويضها مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد، ولهذا يقول ناظم عقيدتهم: وكل نص أوهم التشبيها أوله أو فوض ورم تنزيها سبحانك ربي عما يقول الظالمون والجاحدون علوّاً كييرًا. وقد أجرى الله الحق على لسان هذا الناظم؛ حيث قال "وكل نص أوهم التشبيها" فبين أن مذهبهم مبني على الوهم لا على الحق؛ لأنهم توهموا أن هذه النصوص تقتضي التشبيه؛ فراحوا يؤولونها. وهل الوهم يا عباد الله تعارض به النصوص وتبنى عليه عقيدة؟! إن الوهم أقل درجة من الظن، والله تعالى: يقول في الظن {وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً}1 الرد على المنحرفين عن منهج السلف في أسماء الله وصفاته من المشبهة والمعطلة: المنحرفون عن منهج السلف في أسماء الله وصفاته طائفتان: المشبهة والمعطلة. 1 - المشبهة: وهؤلاء شبهوا الله بخلقه، وجعلوا صفاته من جنس صفات المخلوقين، ولذلك سموا ب (المشبهة)، وأول من قال هذه المقالة هو هشام بن الحكم الرافضي وبيان بن سمعان التميمي الذي تنسب إليه البيانية من غالية الشيعة؛ فالمشبهة غلوا في إثبات الصفات، حتى أدخلوا في ذلك ما نفاه الله ورسوله. ما لا يليق به سبحانه من صفات النقص، تعالى الله عما يقولون علوّا كبيراً، -------------------------------- 1 سورة النجم، الآية 28. ص -157- ومن هؤلاء هشام بن سالم الجواليقي، وداود الجواربي. وقد نفى الله في كتابه مشابهته لخلقه، ونهى عن ضرب الأمثال له؛ فقال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}1، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}2، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}3، {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ}4، فمن شبه صفات الله بصفات خلقه؛ لم يكن عابدًا لله في الحقيقة، وإنما يعبدون وثنا صوَّره له خياله ونحته له فكره؛ فهو من عباد الأوثان، لا من عباد الرحمن. قال العلامة ابن القيم: لسنا نشبه وصفه بصفاتنا إن المشبه عابد الأوثان ومن شبه الله بصفات خلقه؛ فهو مشابه للنصارى الذين يعبدون المسيح بن مريم عليه السلام. يقول العلامة ابن القيم: من مثل الله العظيم بخلقه فهو النسيب لمشرك نصراني وقال نعيم بن حماد شيخ البخارى رحمهما الله: "من شبه الله بخلقه؛ فقد كفر، ومن نفى ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله؛ فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيه". 2 - المعطلة: وهؤلاء نفوا عن الله ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله من صفات الكمال، زاعمين أن إثباتها يقتضي التشبيه والتجسيم؛ فهم على طرفي نقيض مع المشبهة. ومذهب التعطيل مأخوذ من تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين. -------------------------------- 1 سورة الشورى، الآية 11. 2 سورة مريم، الآية 65. 3 سورة الإخلاص، الآية 4. 4 سورة النحل، الآية 74. ص -158- وأول من حفظ عنه مقالة التعطيل في الإسلام هو الجعد بن درهم في أوائل المئة الثانية، وأخذ هذا المذهب الخبيث عنه الجهم بن صفوان وأظهره، وإليه نسبت الجهمية، ثم انتقل هذا المذهب إلى المعتزلة والأشاعرة، وهذه أسانيد مذهبهم، ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين والفلاسفة، وهم في هذا التعطيل متفاوتون. فالجهمية: ينفون الأسماء والصفات. والمعتزلة: يثبتون الأسماء مجردة من معانيها وينفون الصفات. والأشاعرة: يثبتون الأسماء وسبع صفات فقط؛ هي: العلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والسمع والبصر، والكلام، وينفون بقية الصفات. وشبهة الجميع فيما نفوه من الصفات أن إثباتها يقتضي التشبيه والتجسيم بزعمهم؛ لأنه لا يشاهد موصوف بها إلا هذه الأجسام، والله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}1؛ فتعين نفي الصفات وتعطيلها؛ تنزيها لله عن التشبيه بزعمهم، ولهذا يسمون من أثبتها مشبها. ووقفوا من النصوص الدالة على إثباتها موقفين: الموقف الأول: الإيمان بألفاظها وتفويض معانيها؛ بأن يسكتوا عن تفسيرها، ويفوضوه إلى الله، مع نفي دلالتها على شيء من الصفات، وسموا هذه الطريقة طريقة السلف، وقالوا: هي الأسلم. الموقف الثاني: صرف هذه النصوص عن مدلولها إلى معان ابتدعوها، وهذا ما يسمونه بطريقة التأويل، وسموه طريقة الخلف، وقالوا: هي الأعلم والأحكم. والرد على شبهتهم: أن نقول: لا ريب أن التمثيل قد نطق القرآن الكريم -------------------------------- 1 سورة الشورى، الآية 11 ص -159- بنفيه عن الله - تعالى؛ كقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}1، وقوله: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً}2، وقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ}3، وقوله: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً}4، وقوله: {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ}5، لكن مع نفيه سبحانه عن نفسه مشابهة المخلوقين أثبت لنفسه صفات الكمال؛ كما في قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}6، فجمع في هذه الآية الكريمة بين نفي التشبيه عنه وإثبات صفتي السمع والبصر لنفسه؛ فدل على أن إثبات الصفات لا يقتضي التشبيه؛ إذ لا تلازم بينهما. وهكذا في كثير من آيات القرآن الكريم نجد إثبات الصفات مع نفي التشبيه جنبا إلى جنب، وهذا هو مذهب السلف الصالح؛ يثبتون الصفات وينفون عنه التشبيه والتمثيل. ومن زعم أن إثبات الصفات لا يليق بالله؛ لأنه يقتضي التشبيه؛ فإنما جره إلى ذلك سوء فهمه؛ حيث فهم أن إثبات الصفات يلزم منه التشبيه، فأداه هذا الفهم الخاطىء إلى نفي ما أثبته الله - عز وجل - لنفسه، فكان هذا الجاهل مشبها أولا ومعطلاً ثانيا، وارتكب ما لا يليق بالله ابتداء وانتهاء، ولو كان قلبه طاهراً من أقذار التشبيه؛ لكان المتبادر عنده والسابق إلى فهمه؛ أن صفات الله - عز وجل - بالغة من الكمال والجلال ما يقطع أوهام علائق التشبيه والمشابهة بين صفات الخالق وصفات المخلوقين، فيكون قلبه متسعّاً للإيمان بصفات الله على وجه يليق به، مع تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين، أما من توهم أن صفات الله تشبه صفات المخلوقين؛ فإنه لم يعرف الله حق معرفته، ولم يقدره حق قدره، ولهذا وقع فيما وقع فيه من ورطة التعطيل، وصار يسمي من أثبت لله صفات الكمال ونزهه عن صفات النقص على مقتضى الكتاب والسنة؛ صار يسميه مشبها -------------------------------- 1 سورة الشورى، ألاية 11. 2 سورة مريم، الآية 65. 3 سورة الإخلاص، الآية 4. 4 سورة البقرة، الآية 22. 5 سورة النحل، الآية 74. 6 سورة الشورى، الآية 11. ص -160- ومجسما؛ نظرًا لما قام من توهم أن صفات الله تشبه صفات خلقه، ولم يدر أن هذا الوصف أليق به؛ فهو الذي شبه أولاً، ثم عطل ثانيا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال إمام الأئمة وناصر السنة أبو بكر محمد بن خزيمة - رحمه الله - في الرد على الجهمية وتلاميذهم ممن زعم أن إثبات الصفات لله عز وجل يقتضي التشبيه، وننقل كلامه مختصرًا في هذا الموضوع: قال - رحمه الله -: "وزعمت الجهمية عليهم لعائن الله أن أهل السنة ومتبعي الآثار، والقائلين بكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، المثبتين لله عز وجل صفاته ما وصف الله به نفسه في محكم تنزيله، المثبت بين الدفتين، وعلى لسان نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم بنقل العدل عن العدل، موصولاً إليه: مشبهة1؛ جهلاً منهم بكتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وقلة معرفتهم الذين بلغتهم خوطبنا...". إلى أن قال: "نحن نقول وعلماؤنا جميعا من جميع الأقطار: إن لمعبودنا عزَّ وجلَّ وجها كما أعلمنا الله في محكم تنزيله؛ فذَوَّاهُ بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء، ونفى عنه الهلاك، ونقول: إن لوجه ربنا عزَّ وجلَّ من النور والضياء والبهاء ما لو كشف حجابه؛ لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره... ونقول: إن لبني آدم وجوها كتب الله عليها الهلاك، ونقول: إن أوجه بني آدم محدثه مخلوقة، لم تكن فكونها الله بعد أن لم تكن مخلوقة، وأجدها بعد ما كانت عدما، وإن جميع وجوه بني آدم فانية غير باقية، تصير جميعا ميتا ثم رميما، ثم ينشئها الله بعدها صارت رميما، ثم تصير إما جنة منعمة فيها أو إلى النار معذبة فيها". فهل يخطر يا ذوي الحجا ببال عاقل مركب فيه العقل، يفهم لغه العرب، -------------------------------- 1 (هذا خبر إن التي تقدم في قوله إن أهل السنة... إلخ.) ص -161- ويعرف خطابها، ويعلم التشبيه: أن هذا الوجه شبيه بذاك الوجه، هل ها هنا أيها العقلاء تشبيه وجه ربنا جل ثناؤه الذي هو كما وصفنا وبينَّا صفته من الكتاب والسنة بتشبيه وجوه بني آدم التي ذكرناها ووصفناها... ولو كان تشبيها من علمائنا؛ لكان كل قائل: إن لبني آدم وجها، وللخنازير والقردة والسباع والحمير والبغال والحيات والعقارب وجوها، قد شبه وجوه بني آدم بوجوه الخنازير والقردة والكلاب وغيرها مما ذكرت، ولست أحسب أن أعقل الجهمية المعطلة عند نفسه لو قال له أكرم الناس عليه: وجهك يسبه وجه الخنزير والقرد والكلب والحمار والبغل ونحو هذا؛ إلا غضب...". إلى قال - رحمه الله -: "فإذا كان ما ذكرنا على ما وصفنا؛ ثبت عند العقلاء وأهل التمييز أن من رمى أهل الآثار القائلين بكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم بالتشبيه؛ فقد قال الباطل والكذب والزور والبهتان، وخالف الكتاب والسنة، وخرج عن لسان العرب...". إلى أن قال - رحمه الله -: " والمعطلة من الجهمية تنكر كل صفة لله، وصف بها نفسه في محكم تنزيله، أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم؛ لجهلهم بالعلم، وذلك أنهم وجدوا في القرآن أن الله قد أسماءً صفاته على بعض خلقه، فتوهموا لجهلهم بالعلم أن من وصف الله بتلك الصفة التي وصف الله بها نفسه قد شبهه بخلقه. فاسمعوا يا ذوي الحجا ما أبيَّنُ من جهل هؤلاء المعطلة: أقول: وجدت الله وصف نفسه في غير موضع من كتابه، فأعلم عباده المؤمنين أنه سميع بصير، فقال: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}1، وذكر عزَّ وجلَّ الإنسان، فقال: { فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً}2 . وأعلمنا جلَّ وعلا أنه يرى، فقال: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ -------------------------------- 1 سورة الشورى، الآية 11. 2 سورة الإنسان، الآية 2. ص -162- وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}1، وقال لموسى وهارون عليهما السلام: {إنَّني معكُما أسمَعُ وأَرَى}2؛ فأعلم عز وجل أنه يرى أعمال بني آدم، وأن رسوله وهو بشر يرى أعمالهم - أيضا، وقال: {أَلَم يَرواْ إلى الطَّيْر مسخَّراتٍ في جَوِّ السماء}3، وبنو آدم يرون - أيضا - الطير مسخرات في جو السماء. وقال عز وجل: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا}4، وقال: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}5؛ فثبت ربنا لنفسه عينا، وثبت لنبي آدم أعينا؛ فقال: {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ}6؛ فقد أخبرنا ربنا أن له عينا لبني آدم أعينا. وقال لإبليس لعنه الله: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ}7، وقال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}8؛ فثبت ربنا جلَّ وعلا يدين وخبرنا أنَّ لبني آدم يدين. أفتلزم عند هؤلاء الفسقة: أن ما يثبت ما أثبته الله في هذه أن يكون مشبها خالقه بخلقه؟!، حاش لله أن يكون هذا تشبيها كما ادعوا لجهلهم بالعلم..." انتهى كلامه. هذا مما رد إمام الأئمة محمد بن خزيمة على الجهمية وتلاميذهم، وهو رد مفحم، لا يستطيعون الإجابة عنه، وقد رد عليهم - أيضا - كبار الأئمة، ومن أمثال الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم، ولا تزال ردودهم والحمد لله بأيدي أهل السنة والجماعة. ونسوق من ذلك نموذجا من رد شيخ الإسلام ابن تيمية على طائفة من هؤلاء زعمت أن النصوص التي وردت في الكتاب والسنة في صفات الله عز وجل هي من قبيل المتشابه الذي استأثر الله بعلمه ولا يعلم معناه إلا هو؛ فهذه النصوص بزعمهم ليست على ظاهرها؛ لأن ظاهرها عندهم التشبيه، بل لها -------------------------------- 1 سورة التوبة، الآية 105. 2 سورة طه، الآية 46. 3 سورة النحل، الآية 79. 4 سورة هود، الآية 37. 5 سورة الطور، الآية 48. 6 سورة المائدة، الآية 83. 7 سورة ص، الآية 75. 8 سورة المائدة، الآية 64. ص -163- معنى لا يعلمه إلا الله؛ فيفوضون معناها إلى الله، ويزعمون أن هذه طريقة السلف، وقد كذبوا على السلف ونسبوا إليهم ما هم برآء منه؛ لأن عقيدة السلف إثبات صفات الله عزَّ وجلّض كما دل عليها الكتاب العزيز والسنة النبوية، وأنها على ظاهرها، ويفسرون معناها على ما يليق بجلال الله، ولا يفوضونها، بل وهي عندهم من المحكم لا من المتشابه. قال - رحمه الله -: "وأما على قول أكابرهم [ يعني: نفاة الصفات ]: إن معاني هذه النصوص لا يعلمه إلا الله، وإن معناها الذي أراده الله بها هو ما يوجب صرفها عن ظواهرها، فعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني نا أنزل الله عليهم من هذه النصوص، ولا الملائكة، ولا السابقون الأولون، وحينئذ؛ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كرما لا يعقلون معناه...". إلى أن قال - رحمه الله -: "ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء، إذا كان الله أنزل القرآن، وأخبر أنه جعله هدى وبيانا للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نزل إليهم، وأمر بتدبُّر القرآن وعقله، ومع هذا؛ فأشرف ما فيه، وهو ما أخبر به الرب عن صفاته، أو عن كونه خالقا لكل شيء، وهو بكل شيء عليم، أو عن كونه أمر ونهى، ووعد وتوعد، أو ما أخبر به عن اليوم الآخر: لا يعلم أحد معناه؛ فلا يعقل، ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بيَّن للناس ما نُزَّلَ ولا بلَّغ البلاغ المبين". وقال - رحمه الله - نافيا هذا القول عن السلف: "وأما إدخال أسماء الله وصفاته أو بعض ذلك في المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله؛ فنقول: ما الدليل على ذلك؟ فإنَّي ما أعلم عن أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة ولا أحمد ص -164- ابن حنبل ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية [ يعني: قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ...}1 الآية ، ونفى أن يعلم أحد معناه، وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، وإنما قالوا كلمات لها معان صحيحة، قالوا في أحاديث الصفات: تمر كما جاءت، نهوا عن تأويلات الجهمية، وردوها، وأبطلوها، التي مضمونها تعطيل النصوص عما دلت عليه، ونصوص أحمد والأئمة قبله بيِّنة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية، يقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها؛ فهذا اتفاق من الأئمة على أنهم يعلمون معنى هذا، وأن لا يسكت عن بيانه وتفسيره، بل يبين ويفسر باتفاق الأئمة؛ من غير تحريف له عن مواضعه، أو إلحاد في أسماء الله وآياته". هذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله، وحكاه عن الأئمة والسلف؛ أنهم لا يجعلون نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يفهم معناه ويجب تفويضه، بل كانوا يعلمون معاني هذه النصوص ويفسرونها، وإنما يفوِّضون علم كيفيتها إلى الله - عز وجل؛ كما قال الإمام مالك وغيره: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" . قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: "وأما قوله تعالى: {مَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}2؛ فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدّا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا، وهو إمرارها كما جاءت؛ من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله؛ فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}3، بل الأمر كما قال الأئمة؛ منهم نعيم بن حماد -------------------------------- 1 سورة آل عمران، الآية 7. 2 سورة الأعراف، الآية 54. وسورة يونس، الآية 3. 3 سورة الشورى، الآية 11. ص -165- الخزاعي شيخ البخاري؛ قال: من شبه الله بخلقه؛ فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه؛ فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله تعالى النقائص؛ فقد سلك سبيل الهدى..." انتهى. هذا مذهب السلف في أسماء الله وصفاته، وهو إثباتها كما جاءت في الكتاب والسنة، من غير تشبيه لها بصفات المخلوقين، ومن غير تعطيل ونفي لها، بل إثبات بلا تشبيه، وتنزيه لله بلا تعطيل، على حد قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}1، فمن نسب إلى السلف أن مذهبهم التفويض؛ فقد كذب وافترى عليهم ورماهم بما هم بريئون منه. نسأل الله العفو والعافية. -------------------------------- 1 سورة الشورى، الآية 11.
| |||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||
| | رقم المشاركة : 6 (permalink) | |||||||||||||||||
| أخت مميزة شرفت المنتدى ______________
| ص -29- فتارة يقولون: هذا العلم وجد نتيجة للطبيعة التي هي عبارة عن ذات الأشياء من النبات والحيوان والجمادات؛ فهذه الكائنات عندهم هي الطبيعة، وهي التي أوجدت نفسها. أو يقولون: هي عبارة عن صفات الأشياء وخصائصها من حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة وخشونة، وهذه القابليات من حركة وسكون ونمو وتزاوج وتوالد، هذه الصفات وهذه القابليات هي الطبيعة بزعمهم، وهي التي أوجدت الأشياء. وهذا قول باطل على كلا الاعتبارين؛ لأن الطبيعة بالاعتبار الأول - على حد قولهم - تكون خالقة ومخلوقة؛ فالأرض خلقت الأرض، والسماء خلقت السماء... وهكذا، وهذا مستحيل، وإذا كان صدور الخلق عن الطبيعة بهذا الاعتبار مستحيلاً؛ فاستحالته بالاعتبار الثاني أشد استحالة؛ لأنه إذا عجزت ذات الشيء عن خلقه؛ فعجز صفته من باب أولى؛ لأن وجود الصفة مرتبط بالموصوف الذي تقوم به؛ فكيف تخلقه وهي مفتقرة إليه؟! وإذا ثبت بالبرهان حدوث الموصوف؛ لزم حدوث الصفة، و أيضا، فالطبيعة لا شعور لها؛ فهي آلة محضة؛ فكيف تصدر عنها الأفعال العظيمة التي هي في غاية الإبداع والإتقان، وفي نهاية الحكمة، وفي غاية الارتباط؟! ومن هؤلاء الملاحدة من يقول: إن هذه الكائنات تنشأ عن طريق المصادفة؛ بمعنى أن تحميع أن الذرات والجزئيات عن طريق الماصادفة يؤدي إلى ظهور الحياة بلا تدبير من خالق مدبر ولا حكمة. وهذا قول باطل، ترده العقول والفطر؛ فإنك إذا نظرت إلى هذا الكون المنظم بأفلاكه وأرضه وسمائه وسير المخلوقات فيه بهذه الدقة والتنظيم العجيب؛ تبين لك أنه لا يمكن أن يصدر إلا عن خالق حكيم. ص -30- قال ابن القيم: "فسل المعطل الجاحد: ماذا تقول في دولاب دائر على نهر، وقد أحكمت آلاته، وأحكم تركيبه، وقدرت أدواته أحسن تقدير وأبلغه؛ بحيث لا يرى الناظر فيه خللاً في مادته ولا في صورته وقد جعل على حديقة عظيمة، فيها من كل أنواع الثمار والزروع، يسقيها حاجتها، وفي تلك الحديقة من يلم شعثها ويحسن مراعاتها وتعهدها والقيام بجميع مصالحها؛ فلا يختل منها شيء، يقسم قيمتها عند الجذاذ على أحسن المخاج بحسب حاجتهم وضروراتهم، فيقسم لكل صنف منهم ما يليق به، ويقسمه هكذا على الدوام؛ أترى هذا اتفاقا بلا صانع ولا مختار ولا مدبر، بل اتفق وجود ذلك الدولاب والحديقة وكل ذلك اتفاقا من غير فاعل ولا قيم ولا مدبر؟! أفترى ما يقول لك عقلك في ذلك لو كان؟! وما الذي يفتيك به؟! وما الذي يرشدك إليه؟! ولكن من حكمة العزيز الحكيم أن خلق قلوبا عميا لا بصائر لها؛ فلا ترى هذه الآيات الباهرة إلا رؤية الحيوانات البهيمية، كما خلق أعينا لا إبصار لها" انتهى كلامه رحمه الله. ثانيا: توحيد الألوهية. توحيد الألوهية: هو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة؛ ف (الألوهية) معناها العبادة، و(الإله) معناه المعبود، ولهذا يسمى هذا النوع من التوحيد ب (توحيد العبادة). و(العبادة) في اللغة: الذل؛ يقال: طريق معبد: إذا كان مذللاً قد وطئته الأقدام. وأما معنى العبادة شرعا: فقد اختلفت عبارات العلماء في ذلك مع اتفاقهم على المعنى: فعرفها طائفة منهم بأنها ما أمر به شرعا من غير اطراد عرفي ص -31- ولا اقتضاء عقلي. وعرفها بعضهم بأنها كمال الحب مع كمال1الخضوع. وعرفها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله – "بأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة". وهذا التعريف أدق وأشمل؛ فالدين كله داخل في العبادة، ومن عرفها بالحب مع الخضوع؛ فلأن الحب التام مع الذل التام يتضمان طاعة المحبوب والانقياد له؛ فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه؛ فبحسب محبة العبد لربه وذله له تكون طاعته؛ فمحبة العبد لربه وذله له يتضمنان عبادته له وحده لا شريك له. فالعبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، وهي تتضمن ثلاثة أركان؛ هي: المحبة، والرجاء، والخوف، ولا بد من اجتماعها، فمن تعلق بواحد منها فقط؛ لم يكن عابدًا لله تمام العبادة؛ فعبادة الله بالحب فقط هي طريقة الصوفية، وعبادته بالرجاء وحده طريقة المرجئة، وعبادته بالخوف فقط طريقة الخوارج، والمحبة المنفردة عن الخضوع لا تكون عبادة، فمن أحب شيئا ولم يخضع له؛ لم يكن عابدًا؛ كما يحب الإنسان ولده وصديقه، كما أن الخضوع المنفرد عن المحبة لا يكون عبادة؛ كمن يخضع لسلطان أو ظالم اتقاء لشره، ولهذا لا يكفي أحدهما عن الآخر في عبادة الله - تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد كل شيء، وأن يكون الله عنده أعظم من كل شيء. والعبادة هي الغاية المحبوبة لله والمرضية له، وهي التي خلق الخلق من أجلها؛ كما قال تعالى-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدُونِ}2، وبها أرسل جميع الرسل؛ كما قال تعالى-: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً
| |||||||||||||||||
| ||||||||||||||||||
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| أهم , الاعتقاد , الشرك , الإرشاد , صحيح , على , إلي , والرد , والإلحاد |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| اسلوب عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه | ||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| أدعيه تحتاجها يوميا | الحاجه | واحة الدعاء من القرآن والسنة | 11 | 03-03-2012 17:33 |
| كيف تكون مليونيراً بالحسنات | رونيا | الـحـوار الــــعــــام | 8 | 18-10-2011 15:23 |
| 40 نصيحة لإصلاح البيوت المسلم | المحبة لرسول الله | قضـــــايا الأسـرة والـمـجـتـمـع | 6 | 14-01-2011 10:38 |
| أدعيه تحتاجها يوميا | الحاجه | واحة الدعاء من القرآن والسنة | 9 | 24-12-2010 14:05 |
| عقوبة ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم : | رونيا | السيـــــــرة النبويــــة الشريــــفة | 2 | 29-11-2009 12:59 |